في مستهل سنة 2011 تفاجأ العالم على حين غرة بموجات احتجاجية ساهم الشباب العربي بكل فئاته الاجتماعية في قيادتها والانخراط في جميع أشكالها الثورية من مظاهرات واعتصامات، عبر توظيف وسائل الاتصال الاجتماعي سلاحًا فعالًا لتنسيق التحركات وتوثيق فعالياتها والتأثير في الرأي العام، مما جعلها بديلًا ناجحًا للإعلام الرسمي المحتكر من طرف السلطات، حيث فند خطابها الرسمي عن مجرى الأحداث التي شهدتها ميادين الثورات العربية.

أمام عفوية الاحتجاجات الشعبية وإصرار المحتجين على تحقيق مطالبهم وأهدافهم القائمة على ضمان العدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد بالرغم من توحش الأجهزة الأمنية في قمعها والتصدي لها، انضمت شرائح أخرى من المجتمع توجست منها في البداية لتشكل بذلك سندًا مهمًا مما أعطى لهذه الثورات زخمًا مهمًا ليرتفع بذلك سقف المطالب حيث صار الشعار الأساسي إسقاط النظام ككل، فبدأت عروش الزعماء العرب في التهاوي حيث تم إسقاط بعضهم من خلال ضغط شعبي سلمي بينما تطلب إسقاط آخرين اللجوء إلى الثورة المسلحة خصوصًا في ليبيا.

ومع اكتمال مشاهد فصول الربيع العربي باندحار الأنظمة الديكتاتورية في تونس ومصر وليبيا ثم اليمن، توقع العالم أن يسفر هذا الحراك الثوري عن انبثاق أنظمة ديمقراطية كامتداد لموجة الانتقال الديمقراطي التي شهدتها بلدان أمريكا اللاتينية بعد سقوط الأنظمة العسكرية بها أو الانتقال الديمقراطي الذي ساد بدول أوروبا الشرقية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي أواخر الثمانينيات.

غير أن التوقعات سرعان ما خابت بعد دخول الربيع العربي مرحلة الجزر الثوري مع استعصاء الثورة السورية التي انحرفت نحو العسكرة وتحولها إلى ميدان للصراع ذي أبعاد جيوإستراتيجية وطائفية بين عدة قوى إقليمية ودولية، وسقوط حكم الإخوان في مصر بعد انقلاب عسكري مدعوم بسند شعبي، واندلاع الحرب الأهلية في كل من اليمن وليبيا، لينقلب الربيع العربي بذلك إلى خريف قاتم بشكل درامي ومؤلم مخلفًا انهيارًا شبه كامل للدولة في اليمن وليبيا وسوريا وسقوط الآلاف من القتلى ونزوح الملايين من اللاجئين وتدمير البنى التحتية لهذه البلدان، مما أفسح المجال أمام تنامي الحركات المتطرفة لملء الفراغ السياسي الناتج عن غياب السلطة المركزية.

بالرغم من الزخم والحماس الجماهيري الذي رافق هذا الحراك، إلا أنه واجه مجموعة من العراقيل الداخلية والخارجية حدت من فعاليته وصعبت من مأمورية تحقيق أهدافها تتجلى في عدة عوامل مركبة يمكن التمييز فيها بين ما هو داخلي صرف وآخر خارجي.

فمن أهم العوامل الداخلية التي ساهمت في عرقلة الربيع العربي هو ضعف بنية الدولة وهشاشتها ككيان سياسي، وهذا راجع إلى الخلل الذي أصاب عملية بناء مؤسساتها بعد نيل الأقطار العربية لاستقلالها حيث جرى استلهام النموذج الغربي لبناء الدولة الأمة دون الأخذ بعين الاعتبار خصوصية الشعوب العربية وبناها الاجتماعية والسياسية وتنوعها الطائفي والعرقي، حيث لا تزال الانتماءات القبلية والطائفية هي المهيمنة على حساب الهويات القومية الجامعة، وبالتالي تحولت الدولة العربية إلى مجرد هياكل من المؤسسات الجوفاء الآيلة للسقوط.

كما وظفت نظم سياسية أخرى الانتماءات الطائفية والقبلية لإضعاف الهوية الوطنية الموحدة بها قصد عرقلة الثورة عن تحقيق أهدافها من خلال إيهام الأقليات الدينية بأنها مستهدفة من الأغلبية بعد أن جرى استخدام التيارات الإسلامية كفزاعة، مما دفعها إلى الاصطفاف بجانب النظام السياسي باعتباره حاميًا لها كما جرى في سوريا.

وحتى حينما نجحت الثورة في إسقاط النظام وانطلاق عملية التغيير السياسي من خلال صياغة الدساتير وإنشاء الأحزاب السياسية وإجراء الانتخابات، فقد تبين مدى محدوديتها لغياب تقاليد دستورية وقانونية وضعف ثقافة التداول السلمي للسلطة.

كما عانت أغلب بلدان الربيع العربي من استفحال حالة التنافر الأيديولوجي بين الفرقاء السياسيين بعد رفض البعض للنتائج التي أسفرت عنها صناديق الاقتراع خصوصًا بعد تصدر تيارات إسلامية للمشهد السياسي واتجاه أغلبها على فرض الأمر الواقع على منافسيهم من باقي التيارات السياسية بالرغم من افتقاره لرؤية واضحة في الحكم، اغترارًا بقوة قواعدهم الشعبية مما خلق حالة من التنافر وسوء الفهم المتبادل جرى استغلال تناقضاتها فيما بعد من طرف فلول النظام السابق للإجهاز على مكتسبات الثورة، وشكل خطيئة العمر بالنسبة للحركات الإسلامية حيث أدت ثمنه غاليًا خصوصًا في تجربة الفشل الذريع لحكم الإخوان في مصر.

وفي أحيان أخرى تعمد النظام الحاكم إضعاف بنية الدولة وتعويضها بشبكة من المصالح الخاصة التي تؤمن استمراريته وبقاءه في السلطة وهذا ما يظهر جليًا في تجربة الثورة المضادة في مصر، حيث استفادت من بنية النظام السابق المتجذرة في مؤسسات الدولة لعرقلة أي عملية للإصلاح تستهدف مصالحها.

بالإضافة إلى ضعف المجتمع المدني حيث جرى إخضاعه والتحكم فيه من خلال أجهزة الدولة الرسمية من إعلام ومؤسسات دينية تكرس خطاب طاعة ولي الأمر وتأثيم الخروج عليه والاعتماد على المنظومة التعليمية قصد تسهيل إعادة النظام القائم على احتكار السلطة والثروة من طرف الأقلية الحاكمة.

غير أن أخطر العوامل التي تسببت في إفشال الحراك الثوري هو العامل الخارجي، حيث افتقر إلى دعم إقليمي لإنجاح عملية التحول الديمقراطي إذ حاربت الأنظمة العربية وخصوصًا الخليجية مخرجات هذا الحراك وقادت الثورات المضادة ببلدان الربيع العربي كمصر وليبيا لمحاربة تيار الإسلام السياسي الذي أوصلته الإرادة الشعبية إلى السلطة.

وخوفًا من امتداد رياح التغيير سارعت بلدان الخليج إلى توظيف منظومتها الريعية مستغلة قوتها المالية لتحصين نفسها داخليًا عبر زيادة برامج إنفاقها العام على مواطنيها، وخارجيًا استعانت بكل الوسائل المتاحة للإجهاز على ثورات الربيع العربي وشيطنتها من خلال شراء ذمم الإعلاميين والمثقفين، أو عبر تحريض فلول النظام السابق في تونس ومصر على إفشال الانتقال الديمقراطي، بل وذهبت أبعد من ذلك بتمويل المليشيات المسلحة في البلدان التي شهدت ثورات مسلحة كليبيا مستغلة نفوذها المالي وشبكات مصالحها في هذه البلدان من أجل تحقيق أهدافها.

فعلى سبيل المقارنة استفادت بلدان أوروبا الشرقية بعد انهيار الكتلة الشرقية في إطار عملية التحول الديمقراطي من دعم الاتحاد الأوروبي لها، حيث جرت مكافأتها على ذلك من خلال منحها بطاقة العضوية في هذا التكتل بكل ما يتيحه من مكاسب اقتصادية وسياسية بعد استيفائها لشروط الانضمام.

وبالرغم من النتائج المأساوية والكارثية التي أسفر عنها الربيع العربي من حروب أهلية وانهيار شبه كامل لبعض البلدان، فلا يمكن الجزم مبكرًا بفشله؛ فأغلب الثورات البشرية مرت بفترة انتقالية شديدة التعقيد ولنا في الثورة الفرنسية خير مثال على ذلك، حيث غرقت في الفوضى سنوات عديدة وشهدت انتصار الثورة المضادة مع إعادة الملكية ثم استقام الحال مع استقرار النظام الجمهوري مع مرور عدة عقود.

وهو ما يتضح جليًا في الحراك الذي بدأ يعرفه المجتمع المدني في العالم العربي وانتشار المفاهيم المرتبطة بحقوق الإنسان من عدالة اجتماعية وكرامة وتزايد الوعي بتطبيق الديمقراطية كحل ضروري لا مناص منه، وينبغي كذلك للبلدان التي شهدت حروبًا أهلية أن تفعل المصالحة الوطنية فهي الوسيلة الوحيدة التي ستمكن من إعادة بناء النسيج المجتمعي بشكل أمتن بعيدًا عن الأحقاد التاريخية بالاستفادة من تجارب الشعوب الأخرى.

والأهم من ذلك بروز قطاعات من الشباب الملتزم والواعي بدوره الجسيم في الإصلاح عبر المصالحة مع العمل السياسي والانخراط فيه خدمة للصالح العام، ولإخراج الشعوب العربية من حالة الانحسار الحضاري التي تعاني منها منذ قرون عديدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد