الأسئلة البديهية

كغيري من المواطنين في الوطن العربي، استيقظت متأخرًا صبيحة يوم الجمعة لأرتشف كوب قهوتي المعتق، وكالعادة رفضت النهوض من فراشي الدافئ والناعم، دون التجول بين جدران الصفحات الفيسبوكية.

فور تشغيلي لزر البيانات فإذا به يقابلني خبر عاجل لأحد الأصدقاء مؤرخ قبل سبع ساعات بالبند العريض والخلفية الحمراء التي أصبحت رمزًا لأخبار الدماء والحروب ،قرأت الخبر وأعدت قراءته لأني لم أتوقع حدوثه، «عاجل: مقتل قائد فيلق القدس الإيراني الجنرال قاسم سليماني في العراق».

أعدت التركيز مرة ثالثة ورابعة حتى اتخذت قراري بأن الأمر مجرد شائعة؛ لأن ناقله غير موثوق بالنسبة لي، واصلت تجوالي في مختلف صفحات «فيسبوك» فإذا بالخبر نفسه يقابلني مرة ثانية، لكن هذه المرة بصورة أدق وشبه رسمية: «عاجل: البنتاجون يعلن مسؤوليته عن مقتل قاسم سليماني بعد غارة استهدفته قرب مطار بغداد»، فذهبت مسرعًا لفتح التلفاز ودحض ما تبقى من شكوكي جانبًا، وكان الخبر صحيحًا بمجرد مشاهدتي لقنوات إخبارية عديدة الجزيرة، العربية، روسيا اليوم، فرنسا 24، كلها تقيم بلاتوهات خاصة لنقل الخبر وتفسيره، والحديث عن حيثياته.

حزنت كثيرًا لهذه الحادثة، ليس لمقتل الجنرال الإيراني، بل للعراق المسكين الذي لم يتعاف بعد من مظاهر الاحتلال الأمريكي حتى تأتيه مصيبة أخرى، ليكون مسرحًا للحرب وميدانًا لتصفية الحسابات لدول غير عربية، سيذهب ضحيتها دون شك المواطن العراقي المسكين البسيط الذي لم يتعاف بعد من تبعات الاحتلال الأمريكي للعراق، والذي لم يجف دم أقربائه وعائلته تحت التراب.

هذه الحادثة جاءت بعد مد وجزر في حرب غير معلنة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران على أرض الرافدين، وستزيد حدتها بعد مقتل قاسم سليماني.

ما حدث في العراق اليوم وما يحدث في ليبيا وسوريا منذ زمن من حروب بالوكالة لأطراف غير عربية، يبين بما لا يدعو للشك أن المنطقة العربية مستهدفة بلا هوادة قصد إذلالها واستخدامها ذخيرة وواقيًا لعمليات الدول الكبرى.

ماذا تحتاج الدول العربية الغنية بالنفط والغاز ومختلف الثروات الطبيعية للخروج من عباءة العبد المطيع والطفل الرضيع؟ ماذا تتنظر الدول العربية لتدرك أن دماء مواطنيها غالية الثمن وأن القوانين الإلهية قبل القوانين الوضعية تحتم عليها حماية مواطنيها ورعاياها؟

إلى متى؟ يجب أن يفهم العرب أنهم دول مستقلة، ولها سيادة وجغرافيا، وقوانين، وعلم، ونشيد، وأنهم يجب أن يتحرروا من أصفاد الذل والعبودية، وتتخلى تلك الدول عن دور الواقي لذكورية الدول الكبرى وتنسى أن شرفها قد اغتصب بالعنف والقوة.

عند كل حرب بالوكالة في البلاد العربية لن يدخر ترامب وبوتين وماكرون ونتنياهو جهدًا في إعطاء الأوامر للقتل، والقصف، والتشريد، والتجويع، وبعد ذلك سيعودون إلى حياتهم الطبيعية المليئة بالبذخ والخمور والحفلات والنساء الحسناوات، لكن المواطن العربي المسكين لن يجد من يمسح له دموعه ويجفف له دماءه ويواسيه على فقدان أهله.

أسفي على دماء المواطنين في البلدان العربية التي تراق لا لشيء إلا لنزوة تجتاح ترامب وماكرون ونتنياهو وغيرهم من أعداء العرب، لا يختلف عن أسى كل مواطن عربي غيور على عروبته ودماء إخوانه. ولعلي كل ما أتذكر هذا الموضوع بالذات تتبادر إلى ذهني تلك المقولة الملعونة التي تشعرني بالإحباط والحزن والتيه «اتفق العرب على أن لا يتفقوا».

لماذا كل هذا الهوان والذل والخنوع والخضوع في أوطاننا العربية، هل كتب علينا أن نعيش في أسفل السافلين وقد أعزنا الله بالإسلام؟ نعم ونقولها بمرارة تجتاح صدر كل مواطن عربي غيور على وطنه، وله طموح في النهوض بما تبقى من أوطاننا البلية والرثة، يتعكر مزاجي كل مرة أفكر في هذا الموضوع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد