الحياة مكان يحتم علينا جميعًا اجتيازه، وبالرغم من أن الحياة واحدة، إلا أن لكل شخص نصيبه المميز منها، ودربه الخاص الذي يسلكه ساعيًا خلف النهاية. وقد نجد البشر مقسمين بين دروب الحياة تلك، وعند النظر إلى كل درب على حدة، سنجد كثيرًا ممن يسلكونه، بعضهم في المقدمة، وبعضهم يحاول مجاراتهم، والبعض الآخر لا يقوى على السير فيه حتى. هل هذا لأنهم أغبياء؟ لا أظن ذلك، وإني أرى أقل البشر ذكاءً على الإطلاق قادر على النجاح في عبور درب ما بنجاح؛ لأن العقل البشري لا يضاهيه شيء، حتى إن لم يكن خارق الذكاء، يظل أكثر الأشياء تطورًا على الأرض. المعضلة الحقيقية بالنسبة إليه هي إيجاد الدرب المناسب له.

ما من شيء يوجد في العالم إلا لتحقيق غاية ما. نحن ولدنا لنعيش ووهبنا عقولًا وقدراتٍ خاصة من أجل استغلالها، لا لتركها للفناء مع عمرنا القصير. أما عن تلك القدرات الخاصة، فيستحيل عليها أن تتطابق تمامًا عند شخصين، ولأن هناك حوالي سبعة مليار إنسان، أنا أؤمن بوجود سبع مليار موهبة خاصة، واحدة لكل منهم، وبالرغم من أن هذا الكلام قد يبدو مبتذلًا ومبالغًا فيه، إلا أنني أؤمن به يقينًا، وسأبرهن لكم على ذلك.

بالطبع هناك أقلية من البشر يفوقون الباقين ذكاءً وإبداعًا، لكنهم قلة لا تتجاوز الواحد بالمائة، وهذا لا يعني أن الباقين غير مبدعين، الفرق فقط في مدى القدرة على الإبداع، وليس في القدرة نفسها. وهنا يجد تساؤلًا ملحًا طريقه إلينا، وهو ما دام جميع البشر لديهم القدرة على الإبداع، لماذا إذًا لا يبدع الجميع؟

حسنًا، إلينا أولًا مثال بسيط. إذا نظرنا إلى سيارات BMW على سبيل المثال. إنها من أشهر السيارات وأكثرها تطورًا في العالم. فلنتخيل أن شركة BMW قررت التوقف عن إنتاج السيارات، واستخدمت نفس المصانع ونفس العمال والمهندسين من أجل إنتاج طائرة، ماذا ستكون النتيجة؟ إنه الفشل الذريع بالطبع، وهنا تكمن الإجابة. لقد فشلت BMW في إنتاج الطائرات، لكن هذا لا يعني أنها شركة فاشلة، وإنما لأن شركة BMW لها بنية خاصة تختلف عن بنية شركات الطائرات.

القاعدة ذاتها قابلة للتطبيق على البشر. لكل إنسان بنية نفسية وعقلية مميزة جدًا عن باقي أقرانه حتى ليختلف التوأمين عن بعضهما في البنية النفسية كما يقول علم النفس. تلك البنية النفسية المميزة تخلق نمطًا مميزًا من التفكير يتوافق معها، ونمط التفكير المميز ذاك يتوافق بدوره مع نشاط ما ويوفر متطلبات الإبداع فيه؛ لأنه يستحيل وجود شخصين في العالم متطابقين في البنية النفسية، سنعود لنقطة البداية، ونقول إن عدد المهارات الخاصة تساوي عدد البشر. قد يبادر للأذهان تساؤلًا آخر، هو: هل عدد المجالات المتاحة للإبداع تساوي عدد البشر؟ بالطبع لا، ولكن حتى المجال الواحد تختلف قدرة من يتوافقون معه على الإبداع فيه، فحتي الوظيفة الواحدة، يبدع فيها كل شخص على طريقته الخاصة فقط إن كانت تلك الوظيفة تناسب بنيته النفسية، أي: تناسب ميوله.

فالبشر يقتلون أسمي ما بداخلهم حين يسلكون دروبًا لم تخلق لهم، وهم بذلك يعيشون حياة أشخاص آخرين ليتخلوا عن حياتهم الخاصة، وهم يتخلون بذلك عن الروح التي وهبتها إياهم الطبيعة ليستبدلوا بها واحدة مصطنعة زائفة من صنعهم، تمامًا كالشخص الذي يرتدي ثوبًا لا يناسبه. قد يكون الثوب رائعًا، إلا أنه سيبدو أنه عديم القيمة، ليس لأن الثوب قبيح، وإنما لأن صاحب الثوب قد أخطأ الاختيار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد