داومت الحركات الطلابية في مصر خلال العقود الماضية على التشابك مع القضايا السياسية والاجتماعية على الصعيدين المحلي والقومي؛ الأمر الذي جعل منها غصة في حلق كل نظام سياسي أخفق في السيطرة عليها، سواء عن طريق استرضائها أو قمعها أو تأميم العمل الطلابي، كما حاول الرئيس السابق جمال عبد الناصر أن يفعل، فالحركة الطلابية في مصر لها باع طويل – باعتبارها جماعة من جماعات الضغط – في تغيير الأوضاع السياسية والاجتماعية، والتاريخ المصري ذاخر بالعديد من الأمثلة، التي تعضد هذا الادعاء الذي أيده المؤرخ الفرنسي والتر لاكير في مقولته: «لم يلعب الطلاب دورًا في الحركة الوطنية مثل الدور الذي لعبه الطلاب في مصر».

بزغ نجم الحركات الطلابية في بداية القرن العشرين بتحفيز وتشجيع من الزعيم الراحل مصطفى كامل باشا، الذي اهتم بتنظيم صفوف طلبة المدارس العليا تحت مظلة ما سماه بـ«نادي المدارس العليا» عام 1905، وذلك بهدف تنمية الوعي السياسي لدى الطلبة، وتأليبهم على مقارعة الاحتلال الإنجليزي وسياسات الحكومة المصرية الراضخة للاحتلال، فمنذ ذلك الوقت؛ دخلت الحركات الطلابية في حرب ضروس مع المحتل الإنجليزي والحكومات المصرية المتواترة، سواء أكانت المتواطئة مع الاحتلال في فترات زمنية معينة أوالمنتهجة لسياسات قمع الحريات وتجويع وإفقار الشعب المصري في فترات زمنية أخرى.

تجسدت مقاومة الطلاب لهذه السياسات – بنوعيها – في المشاركة في ثورة 1919، التي احتدمت بعد نفي سعد زغلول ورفاقه في مارس (آذار) 1919، وفي انتفاضة 1935 التي كانت ترمي إلى استعادة دستور سنة 1923، وفي أحداث كوبري عباس، وأحداث ما بعد نكسة 1967 في عهدي عبد الناصر والسادات، وانتفاضة الخبز التي اشتعلت في عام 1977، وغير ذلك من الهبات الشعبية التي اندلعت في مصر وكانت الحركات الطلابية وقودها آنذاك.

فمن كنف الحركة الطلابية انبثقت الاتحادات الطلابية التي ما كانت إلا صورة من صور الحركة الطلابية الأكثر استقلالًا عن الأحزاب والتيارات السياسية في أحيان، والأكثر مهادنة للحكومات في أحيان أخرى؛ وهذا السبب الرئيس في عزوف الطلاب عن المشاركة في أنشطتها الترفيهية، واستهواء الحركات الطلابية لهم عن الاتحادات الطلابية في أغلب الأوقات، اللهم إلا إذا تمتعت انتخابات الاتحادات الطلابية بمقدارمن الشفافية؛ ففي هذه الحالة يتم إضفاء رونق تنافسي على انتخابات الاتحادات الطلابية التي تكون بمثابة مجتمع سياسي على صعيد ضيق؛ فتتنافس الحركات الطلابية على اقتناص مقاعد الاتحادات للسيطرة على زمام الأمور فيها، ومن ثم تسعى الاتحادات الطلابية إلى الاضطلاع بدورها السياسي والاجتماعي بجانب دورها في تلبية مسؤوليتها التي تعهد إليها داخل أسوار الجامعة، وهذا لا يحدث إلا إذا تمكنت الحركات الطلابية نفسها من انتزاع مساحة واسعة داخل الجامعة من قبل السلطات التي بيدها مقاليد الحكم، أو انتزاع هذه المساحة من خلال غضبة شعبية تعود ببعض من مكتسباتها على الجامعة.

ويبرهن على هذا استغلال الحركة الطلابية للمساحة التي أتيحت لها على مدار سنتين ونصف من ثورة الخامس والعشرين من يناير، وذلك بعد عقود طويلة من التضييق الأمني والإداري على الحركات الطلابية التي تراجع دورها خلال العقود المباركية، إلا أنها كانت سرعان ما تحطم هذه القيود من خلال تفاعلها مع الأحداث السياسية على الصعيد العربي؛ كتضامنها مع انتفاضة الأقصى، وتنديدها بالغزو الأمريكي للعراق، في حين أن دورها في التشابك مع الأحداث المحلية كان محدودًا للغاية في ظل تدجين الاتحادات الطلابية من قبل السلطة الحاكمة آنذاك، فلم يتغير الوضع إلا بعد ثورة يناير المجيدة التي قلبت الوضع – لفترة زمنية محدودة – رأسًا على عقب.

فبعد أن كانت الاتحادات الطلابية، بفعل تدجينها خلال العقد الأول من الألفية الجديدة، في عداد الموتى، باتت ثمرة يتنافس المتنافسون – من الحركات الطلابية المختلفة – على قطفها، ومرجع هذا إلى المساحة الواسعة التي أتيحت لها بفضل ثورة يناير، وهذا ما رصدته مؤسسة «حرية الفكر والتعبير» في دراسة عنونتها بـ«الحركة الطلابية من تنحي مبارك إلى عزل مرسي».

سلطت مؤسسة «حرية الفكر والتعبيرس في هذا التقرير الضوء على الحراك الطلابي الذي احتضنته الجامعات المصرية بداية من الفصل الدراسي اللاحق لثورة يناير قبل أن يتلاشى تدريجيًا خلال السنوات السبع الماضية، فتبنى هذا الحراك قضايا تنوعت ما بين قضايا طلابية تخص استقلال الجامعة، وحرية ممارسة النشاط الطلابي، وتطهير الجامعة من القيادات التابعة لنظام مبارك، ووضع لائحة طلابية جديدة تساير مكتسبات ثورة يناير، وقضايا أخرى سياسية تمثلت في مشاركة الطلاب في الأحداث المتواترة التي تلت ثورة يناير باعتبار أن الجامعة مؤسسة لا تقبل العزلة عن التطورات الاجتماعية والسياسية خارج أسوارها.

ومن هنا يشير التقرير إلى الحركات الطلابية في الجامعات المصرية، ويقسم الحركات الطلابية إلى قسمين؛ أولهما الحركات الطلابية واسعة الانتشار أي الحركات التي كان لها وجود في أكثر من جامعة، وكانت تدار مركزيًا من خلال هيكل إداري أعلى؛ لأنها غالبًا كانت تنتمي إلى أحزاب وتيارات سياسية خارج الجامعة كطلاب «الإخوان المسلمين» وطلاب «الاشتراكيين الثوريين» وطلاب «حزب الدستور» وطلاب «مصر القوية»، وثانيهما الحركات ذات الانتشار المحدود، أي التي يقتصر وجودها على جامعة واحدة أو كلية واحدة، فهي في الغالب كانت لا تتبع أي تيارات أو أحزاب سياسية، مثل حركة «تحرير» جامعة القاهرة، وحركة «أحرار» جامعة عين شمس، وحركة «كلنا علاء عبد الهادي».

ويومئ التقرير أيضًا إلى أن المساحة التي خلقتها ثورة يناير للحركات الطلابية إن كانت أفسحت الطريق للمشاركة في انتخابات بدون تزوير نتائجها أو حذف أسماء مرشحيها من القوائم الابتدائية كما كان يحدث قبل الثورة، إلا أن إجراء الانتخابات في ظل لائحة 2007 – النسخة المعدلة من لائحة 1979 – المعروفة في الأواسط الطلابية بلائحة «أمن الدولة»، تسبب في عزوف معظم الحركات الطلابية عن المشاركة في أول انتخابات تالية لثورة يناير، وهذا بغض النظر عن الموافقة المشروطة لطلاب الإخوان المسلمين الذين وقفوا مشاركتهم في الانتخابات على شرط إجرائها في ظل بروتوكول، دون الاعتداد باللائحة القديمة.

كما أن التقرير قسم نضال الحركات الطلابية في المرحلة التي تلت الثورة مباشرة إلى فترتين على الترتيب؛ الحركة الطلابية ضد حكم المجلس العسكري، والحركة الطلابية ضد حكم جماعة الإخوان المسلمين، وقسم نضال الحركة الطلابية ضد المجلس العسكري إلى تسع محطات رئيسة على الترتيب؛ فض اعتصام طلاب إعلام القاهرة، مذبحة «ماسبيرو»، أحداث محمد محمود، أحداث مجلس الوزراء، الذكرى الأولى للثورة، مجزرة بورسعيد، إضراب 11 فبراير (شباط)، يوم الطالب العالمي، أحداث العباسية.

ومن جهة أخرى قسم نضال الحركة الطلابية ضد حكم جماعة الإخوان المسلمين إلى خمس محطات على الترتيب؛ الاحتجاجات ضد الإعلان الدستوري، أحداث الاتحادية، الأستفتاء على مشروع الدستورالجديد، الانتخابات الطلابية، مظاهرات 28 أبريل (نيسان) (يوم الغضب الطلابي)، المشاركة في جمع توقيعات حملة «تمرد».

اختتم التقرير بالنتائج الآتية: «شهدت الحركة الطلابية تطورًا هائلًا على كافة الأصعدة من حيث أدواتها الدعائية وخطابها السياسي، ووسائل الحشد والتعبئة، وكذلك من حيث أطرها التنظيمية، ومساحات التنسيق والتعاون المشترك فيما بينها حتى أصبحنا أمام حركة طلابية شابة وواعدة قادرة على لعب دورها الطلابي والسياسي والاجتماعي بامتياز، فضلًا عن أن الحركات الطلابية واسعة الإنتشارأي المرتبطة بأحزاب وتيارات سياسية يمتد وجودها خارج أسوار الجامعة أكثر قدرة على التماسك والاستمرار، بالرغم مما تتعرض له من تضييقات أمنية، ومردّ ذلك إلى المساندة الدائمة من تياراتها وأحزابها، فيما أن الحركات الطلابية محدودة الإنتشار أقل تماسكًا وقدرة على الاستمرار، بالرغم من أنها تمكنت من إثراء الحركة الطلابية بما أدخلته من تطوير مهم على الأدوات المستعملة في الحشد والدعاية، ناهيك عن أن هذه الفترة – السنتين ونص– شهدت تطورًا كبيرًا للحركة الوطنية على مستوى أنتزاع مساحات أوسع من حرية ممارسة النشاط الطلابي وتغييراللائحة الطلابية، وضمان أكبر قدر من النزاهة والديمقراطية في عملية الانتخابات الطلابية، وهو ما تمثل أيضًا في بعث اتحاد طلاب مصر من رقاده، وأستعادة الحركة الطلابية لتأثيرها الواسع على المجال العام في مصر».

كان هذا آخر ما جاء في هذا التقرير، فقد ركزت دراسته على رصد الحركة الطلابية على مدار السنتين ونصف التي تلت ثورة الخامس والعشرين من يناير (كانون الثاني)؛ لذلك فقد فات هذا التقرير الحركة الطلابية المناوئة لما حدث في 30 يونيو (حزيران) التي تزعمها حركة «طلاب ضد الانقلاب»، وما ترتب على المعركة التي شبت بينها وبين الحكومة المصرية آنذاك من مقتل عدد من الطلاب واعتقال عدد آخر، وانتهاك قدسية الحرم الجامعي في أكثر من مناسبة من قبل قوات الأمن، وتقهقر الحركة الطلابية بصورة تدريجية كنتيجة حتمية للضغوطات التي تعرض إليها أعضاء الحركة التي تجلت للعيان في فصل الطلاب والملاحقات الأمنية لأعضاء الحركة الطلابية؛ فعاد الوضع داخل أروقة الجامعة أسوأ من الوضع التي كانت عليه قبل ثورة يناير، إلا أن هذا لا يمنع من الإشارة إلى تفاعل الحركة الطلابية على استحياء مع بعض الأحداث خلال السنوات الخمس الماضية، ومن ذلك تفاعلها مع قضية تيران وصنافير، وتدشينها هاشتاج «حلب تحترق»، ومعرض فلسطين، ودعمها لاتحاد طلاب مصر في مواجهة وزير التعليم العالي، وذلك قبل أن يتم إلغاء اتحاد طلاب مصر بمقتضى اللائحة الطلابية الصادرة عام 2017، ولكن هذا بالطبع يتضاءل إزاء التفاعل المبهر الذي كان في السنتين والنصف التي تلت ثورة يناير.

ختامًا: إذا كان اتساع المساحة للنشاط الطلابي انعكاسَا لمكتسبات ثورة يناير، فإغلاق الفضاء العام ألقى بظلاله على الحياة الجامعية، فالاتحادات الطلابية التي بعثت من مرقدها بعد الثورة عادت أدراجها إلى مرقدها من جديد، وباتت مرة أخرى في عداد الموتى، مثلما كان الوضع قبل ثورة يناير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد