في حلقة شهيرة من مسلسل الكارتون العالمي توم وجيري، يعثر الفأر جيري على بيضة، يخرج منها فرخ نقار الخشب، والذي يرى أول ما يرى جسم جيري الكبير فيناديه من بـ«ماما»، وهذا ما امتثل إليه كارل بوبر الفيلسوف النمساوي الشهير في مثاله فرخ الإوز الأبيض، والذي أثبت به النزعة الفطرية للكائن الحي إلي الانصياع والانقياد لأول جسم كبير يراه، وهذا ما جبل عليه الإنسان وفطر، فلدى الإنسان نزوع فطري للعبودية، والضرورة تحتم هذه النزعة ليستدل قلب الإنسان إلى عبوديته للإله، فيسبحه ويقدس له بلا علم ولا تعلم، وكان الإله هو الرب لما تستوجب ربوبيته من رعاية عبادة، وتحمله مسئوليات الخلق والرزق والمراقبة والرحمة والإثابة والحساب والعقاب، ثم انخلعت لفظة الرب على أي مسئول، فهو رب بمسئوليته وسيطرته وواجباته نحو مربوبيه، فالرب مسئول أكثر من كونه سائلًا.
ومع ذلك تفرض أطروحة صنع الإله نفسها، لماذا نحن بارعون في تأليه الغير، من أكبر مثال للمسئولية والسلطة كالملوك والحكام، إلى أصغر مثال وهو رب الأسرة نواة المجتمعات، لماذا نضفي على المسئول صفات الإله وهي واجباته، فتجد التمجيد والتقديس والإطراء والثناء على المسئول حتى وإن كان غير أهل لمسئولياته، فنتملق بمهارة غريبة رب العمل حتى وإن كنا خلف الجدران نشكو ظلمه ونسبه ونلعنه، نبغض أداء المحافظ ونتسابق لمصافحته، تنزعج آذاننا بنشاز صوت المطرب ونهجو طبقاته ثم نجري خلفه إذا رأيناه ليمن علينا بتوقيع، أو يا حبذا لو تنازل وتوقف لحظات لنلتقط صورة للذكرى، ما الركائز التي تستند إليها عقول الناس والشعوب ليرفعوا الموظف المطالب بواجبات، والموكل بمسئوليات إلى منزلة الإله، حتى وإن كان إبداله الحق باطل جليًا وواضحًا، بل ونعاني منه، هل هو نقص للحريات، فماذا عن شعوب أقامت الثورات ثم وقعت مرة أخرى في صنع الإله، إن هذا الرب المسئول، العالم ببواطن الأمور الأولى به، أول ما يعلم هي واجباته التي سيسأل عنها، فلرب العمل مثلًا مكتب عمل يراقبه، ومع ذلك لا نسمع كثيرًا عن تكاتل موظفين في تقديم شكوى لمكتب العمل، اللهم إلا ما حدث أيام ثورة يناير المجيدة من مطالب فئوية، فتتحقق عنقاء السلطة، في وجود مسئول يعلم واجباته ومسئولياته ويعي وجود من هو يراقب ويعاقب، حتى وإن كان في أكبر منصب في مؤسسته، ويتوقف هذا على إمكانية تعميق وعي الشعوب والأفراد، ونسيان الرغبات الشخصية من المسئول ذاته، فهو بمكانه لتحقيق أهداف عامة، ينصفه وعيه بمراقبة من يراقبه، فلا ننقاد تحت سلطة إله جديد نصنعه بجهل وغشومية يكون مبدأه في حكمنا «ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد