جئنا إلى هذه الدنيا بغير اختيار منا، وأغلبنا الأعم سيغادرها مرغمًا أيضًا، ولو قُدّر لأحد أن يختار الخلود فإنه في الغالب الأعم سيفعل، ورغم ذلك ستجد أن البشر في غالبًا يلعنون الدنيا ويحقرونها، فهم إما ينتمون لدين جعلهم يرون أن الحياة الحقيقية في حياة آخرة، وأن الدنيا ما هي إلا منطقة انتظار مؤقت حتى تحين لحظة الانتقال، ثم رأوا ما فيها من تعب ونكد وتكالب وتنافس، ورأوا ما لأهل الشر من سطوة فيها وقوة، فركنوا إلى ضرورة اعتزالها وتركها لأهل الشر حيث ينعمون هنا ويتعذبون هناك، وأن البناء فيها مضيعة وقت حيث لن ينفعك هناك سوى طقوسك وخلواتك أما ما بنيت فمصيره إلى زوال أكيد، فلماذا تبني ما هو زائل؟

أما من قالوا بأنها حياتنا الدنيا فيها نحيا ونموت وما نحن بمبعوثين، فلقد صاروا فريقين:
الأول: فريق يرى ضرورة استغلال هذه الفرصة القصيرة نسبيًّا في تحقيق السعادة التي في الغالب هي سعادة مادية بحتة، والثاني: فريق لم يستطع الهرب من حاجته إلى الخلود، وظلت حقيقة فنائه ماثلة أمام عينيه لذا لم يهرب عنها سوى بالانشغال عنها إما بالعمل أو اللذة أو المخدرات. وهذان الفريقان عليهما الإجابة على سؤال هام: لماذا تشعر بداخلك بميل أحيانًا لفعل لن يأتي لك بمنفعة مادية؟ ولماذا تجد في نفسك القدرة على التضحية بنفسك لأجل قيمة ما رغم علمك بعدم قدرتك على تعويضها؟ ماذا في الإنسان يدفعه للمخاطرة وإعلاء القيمة على اللذة، والمبدأ على المنفعة؟

ولا شك أن هناك قسم ثالث هو قسم بين بين، وهم هؤلاء الغافلون الذين يعيشون الحياة دون تفكر فيها – وهم الأغلبية- وهم الذين يسايرون واقعهم، ولا يغيرون أفكارهم ومعتقداتهم إذ أنهم يسيرون في الطريق الذي أوجدتهم فيه الحياة، فهم ريشة تحملها رياح الدنيا كما تشاء.

وبالطبع فإن هذا التحقير للدنيا، واختزالها في تحقيق المنفعة واللذة سيدفع الإنسان إلى التعامل معها من خلال منظار يؤثر على نظرته إليها، مما سيؤدي إلى:

– التخلف وعدم مواكبة العصر، وعدم إتقان العمل أو الاهتمام بالعلم، ومقاطعة الفنون أو تسطيحها، والانكفاء على العلم الديني أو العلم المادي الجاف – ترك المواجهة والشعور بالضعف وعدم الإقبال على التحديات، والتحجج بالقضاء والقدر، ونشوء حركات التصوف والزهد الداعية للانقطاع للعبادة ومقاطعة الدنيا، وتبني آراء الاستسلام والخنوع ومداهنة الظالمين- الهروب من الأديان وقيودها باعتبارها معطلة عن الحياة، ومنقطعة عن العصر أو الالتصاق بالتراث ورفض كل تطور، ورفض كل ما يخالف هذا التراث مع تقديسه وجعله مهيمنًا على العقل والعلم، وقوع أصحاب محاولات التوفيق بين الدين والحياة في حيرة وتخبّط، فهم مخلصون للمنظومة التراثية التي نشأوا في رحابها، وهم أيضًا متطلّعون إلى مواكبة العصر ومنجزاته، لذلك فهم لا يرفضون ما يبدو خطأ في منظومتهم لعصمته، وكذلك لا يرفضون ما يفرضه العصر والعلم، مما يعطل قدراتهم ويمنعهم من الإبداع والتعبير.

إن وصف الدنيا بالحقارة، والنظر إليها باعتبارها جيفة لا بد من اعتزالها، وعدم المشاركة فيها هو قدح في حكمة الله، فالله ما أوجدها ليحتقرها، وما أتى بنا فيها لنتجاهلها، ولو أراد الله مخلوقًا متفرغًا لعبادته لخلق الإنسان على هيئة الملائكة وصفتها، ولما خلق فيه حاجته إلى الطعام والسكن والثياب حتى لا ينشغل بها عن عبادته، وإنما هو قد جعل الدنيا على صفتها والإنسان على صفته ليجعل اختباره هو دنياه، فإن أحسن استغلال الدنيا فقد نجح، وإن أساء فقد أخفق، وهذه الإساءة تكون إما بإساءة استغلال الدنيا وإمكانياتها، أو باحتقارها واعتزالها، وكأن الإنسان يهرب من اختباره فيها باعتزاله عنها.

إذن فإن على الإنسان أن ينظر إلى الدنيا باعتبارها المزرعة التي يبذر فيها البذور ليجني الثمار في الآخرة، وأن هذه البذور ليست هي مجموعة من الطقوس والصلوات والأذكار، وإنما هذه الطقوس ليست أكثر من تلك المقويات التي تضاف إلى الزروع كي تنضج وتشتد أعوادها وتطرح ثمارها، أما البذور فهي دنيوية بحتة تكون بحسن العمل وإتقانه، والاكتشاف والاختراع، وسبر أغوار العلوم بهدف جعل حياة البشر أكثر راحة.

 

فبالتأكيد ذلك العالم المقيم في معمله كي يجد علاجًا لمرض مستعصٍ، فلا ينام إلا قليلاً، ويقتطع من وقت نفسه وأسرته وأصدقائه كي يريح المتعبين والضعفاء هو أقرب إلى غرض الله في خلقه من ذلك المنقطع على قراءة كتاب مقدس، فالأول قد حوّل هذه الآيات (سواء كان مؤمنًا بها أو لا) إلى واقع في حياة الناس، وكأنه جعل الكلام المقدس فعلاً مقدسًا، وما كانت قداسته إلا لأنه جعل حياة الناس أكثر راحة وأمانًا، وهذا هو الغرض الذي خُلِق الإنسان من أجله، أما الثاني فهو ما يزال يتقوى بآيات الكتاب المقدس الذي يؤمن به، ولم يبدُ عليه أثره بعد.

ولعل ذلك يتضح في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال: (إن قامتِ الساعةُ وفي يدِ أحدِكم فسيلةً، فإن استطاعَ أن لا تقومَ حتى يغرِسَها فليغرِسْها). فعندما تقوم القيامة، ولا يكون أمامك سوى عمل واحد لتفعله ليأتي لك بالثواب الأخير في حياتك، فماذا ستختار لتفعل؟ هل ستعمل عملاً نتائجه دنيوية والدنيا توشك أن تنتهي أم ستعمل عملاً نتائجه أخروية متناسبًا مع الحياة الجديدة التي أنت مقبل عليها؟ هل ستغرس زرعًا لن يجد الوقت الكافي لينمو ويثمر فيأكل منه الناس إذ لا يتبقى وقت في الدنيا، أم ستقرأ في كتابك المقدس أو تنشغل بالصلاة؟

 

إن هذا الحديث يعلي من شأن العمل ذي النتائج الدنيوية، ويجعله ذا نتائج أخروية أكيدة لأن الله ما خلقنا للصلاة والذكر وإنما خلقنا لهذه الدنيا، أما الصلاة والذكر فهي مجرد معينات للإنسان كي يتربى روحيًّا ويستطيع أن يقبل على الدنيا وهو غير طامع فيها، فيحسن استغلالها وهو يضع نصب عينيه مقامه في الآخرة، كما أننا إذا نظرنا إلى مكان الأعمال، فسنجد أن الدنيا عمل بلا حساب، وأن الآخرة حساب بلا عمل، وبالتالي فالعمل متعلق بالدنيا، والنجاح في الدنيا هو نجاح في الآخرة، وإعلاء قيمة الإنسان في الدنيا هو إعلاء من مكانته في الآخرة.

أما ذمّ الدنيا الذي نجده في كل دين، فهو إذا قُصِدَ به التخلي عن الدنيا واعتزالها يصير دليلاً على فساد الدين وعدم قدرته على مواكبة الإنسان، أما إذا قُصِدَ به ذم التعلق بالدنيا حتى تصير هي الغاية، وبالتالي لا يكون هم الإنسان فيها سوى اللذة والمنفعة الخاصة ولو على حساب بقية البشر، فهو أمر يُحْسَبُ للدين إذ جعل الإنسان وراحته وخدمته هدفًا للدين، ويكون على المؤمن وقتها أن يعمل في الدنيا، ويكتشف أسرار العلوم، ويبدع في مختلف الفنون، ويكون وقتها تأليف كتاب أو مقطوعة موسيقية أو اكتشاف علاج لمرض أو اختراع لتسهيل حياة البشر هو أفضل عند الله من الانقطاع للعبادة التي ما هي إلا وسيلة لشحن بطارية الإنسان كي يندفع في الدنيا بطاقة إيمانية تمكنه من خدمة بقية البشر.

وبالتالي يظهر الفارق بين المؤمن بالدين وغير المؤمن به، إذ أن الأول يجد في الدين طاقة إيجابية توجهه نحو صالح البشر، فيعمل وهو يعلم أن جهده لن يذهب سدى لا لمكانة سينالها عند الله، ولكن لذلك الحب الذي ربطه بربه فجعله يعمل بكل جهده في ميدانه ويخدم محبوبه الإنسان، في حين أن الثاني سيعمل أيضًا في خدمة البشر (لأن فطرته تدفعه دفعًا لذلك حتى وإن لم يكن مؤمنًا بدين) ولكنه سيكون شاعرًا دائمًا أن جهوده ستذهب سدى، وأنه بالضرورة مفارق بلا عودة.

ولأن الحياة الحديثة تتصف بالمادية القاسية، والمظهرية الجافة وجدنا إيقاظًا لأفكار الاعتزال الدائم للحياة وتخلصًا من قسوة الحياة المادية، وبحثًا عن تلك الروحانية المندثرة من حياتنا، وبالتالي ظهرت الأساليب المختلفة الهادفة لإسباغ لمسة روحانية على هذا العالم المادي القاسي، إما بالدعوة لاعتزاله، أو بالدعوة لتغييره وفقًا لقواعد يرى أصحابها أنها الحق المطلق دون غيره، أو بالانغماس في الملهيات من فنون بلا قيمة أو تقليعات غريبة، ولكني أزعم أن كل هؤلاء قد ضلوا الطريق، وأن طريق الإنقاذ الوحيد لهذا العالم المادي يكمن في جعل الإنسان هو الغاية العظمى من كل شيء، فعندما يتم تفسير الدين لخدمة الإنسان، وعندما تعمل الفنون على الإعلاء من قيمة الإنسان، وعندما يكون هدف الاقتصاد الرحمة بالإنسان لا استغلاله ليكون ترسًا في ماكينة الاقتصاد العالمي.

 

أقول عندما يكون الإنسان (بدون تحيزات أو انتماءات) هو القلب من كل شيء، والغاية من كل شيء، وقتها فقط سيتخلص العالم من ماديته، وتصبح الدنيا إما هي المكان الذي يفرغ فيه المؤمن طاقته في خدمة البشر حتى ينال رضى ربه في الآخرة، وإما هي المكان الذي يحاول فيه غير المؤمن أن يعيش فيه الحب الخالص بتوجيه الحب لكل البشر، وهو يتساءل عن السر الذي دفعه لذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد