فلسفة الابتسامة: هل الابتسامة تخفي أسرار داخلية؟.

 لماذا نبتسم؟ دائمًا ما يقال إن في ابتسامة المرء فجوة عميقة تحيلنا إلى ما بداخله مباشرة، وتكشف لنا ما يخفيه في أعماقه، سواء أكان صادقًا أو كاذبًا في ابتسامته أو في مشاعره، وهذا خطأ، فالإنسان بوصفه الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يبتسم ويحرك شفتيه بقصد أو دون قصد ليبتسم، يكبح هواجسه الشعورية واللاشعورية في ابتسامة عريضة، قد تظهر للعيان أنها ابتسامة عادية مرموقة بقصد، وعارية من أي تحذلق نفسي، لكنها قد تخفي ما لا يعد ولا يحصى من أسرار أو رغبات نفسية. إذن فلماذا يبتسم الإنسان ولأي غرض؟ وهل يمكن لنا الوقوف على ماهية الابتسامة بوصفها ارتعاشات حركية نابعة مما هو سيكولوجي وجداني عاطفي في الإنسان؟

ما فتئنا نجد أن الابتسامة هي عناق الشعور باللاشعور، وتداخل اللاوعي في الوعي، وانغماس النفسي بالوجداني وانسكاب المرح والفرح الباطني نحو الخارج وما هو الظاهري، كما تتصف بأنها مرآة تنعكس عليها فضائل الإنسان الداخلية، وكذا رذائله المنحطة وفراغه الداخلي الدائم والمتقطع.

إذا كانت الابتسامة عنصرًا أساسيًّا وخاصية مميزة للإنسان، فليست في نهاية المطاف إلا الخطوة الأولى في ممارسة فلسفة جديدة، تبناها جسد الإنسان منذ الأزل وتربت عليها النفس البشرية منذ القدم، وهذه الخطوة الأولى تتوج بلحظة: لماذا نبتسم؟ وإذا سألنا مبتسمنا: «لماذا تبتسم؟ أو كيف تبدو ابتسامتك من الداخل؟»، فلعلنا سنتلقى جوابًا عفويًّا كالآتي: «لأن شيئًا ما خارجيًّا حرك ما بداخلي، فابتسمت أو العكس»، ولعلنا لن نجد في جوابه ما يشفي غليل فضولنا الدسم.

الواقع أن تفسير الابتسامة والوقوف على ماهيتها، ليس بالأمر اليسير، وأية ابتسامة؟ فهناك ابتسامة تنفلت من قبضتنا دون الشعور بها، كما أن هناك ابتسامة نقتحم بها ذواتنا متى حركنا شفاهنا، وهناك أيضًا ابتسامة تقتحمنا هي لتصور للآخرين ما بداخلنا وما نخفيه عليهم كزلة اللسان مثلًا، وكالحركات اللاإرادية، إلا أن هنالك ابتسامة تخفي أسرارًا جنسية مجهولة لدينا، بل تظهر متى بدأنا البوح بلا قيد، ومتى بدأنا نقصُّ للآخرين قصصنا الداخلية اللاشعورية دون أن ندري، والشيء نفسه يحدث في الأحلام، فالأحلام هي العملة الوحيدة التي نسوم بها عالمنا اللاشعوري الداخلي لكي ندخل منطقته. واعتبار الابتسامة نابعة مما هو داخلي شعوري ولا شعوري في الإنسان يحملنا إلى قول إننا عاجزون تمامًا عن كتابة تاريخ الابتسامة. الابتسامة التي تضمحل كالسعادة المؤقتة أو كلحظة نومنا الفوضوي واستيقاظنا الهادئ.

ومن جهة أخرى، يتضح دون شك أننا عاجزون كل العجز عن حسم تاريخ ابتسامة واحدة، لأن الابتسامة كالعلامة النفسية السرية التي لا يستطيع إلا النسوة وزمرة صغيرة من الرجال استعمالها بجرأة، ونحن الرجال عاجزون بما أوتينا من قوة عن فعلها وفهمها والظفر بها. لكن نتساءل كيف يبتسم الرجال وكيف تبتسم النساء؟

يظهر عمومًا أن الرجال لا يتقنون فن الابتسامة، لكن باستطاعتهم أن يبتسموا، ابتسامة حقيقية خالية من الاصطناع، أما النساء فهن صاحبات الدهاء والحنكة وبارعات في فن الابتسامة على مر التاريخ، فباستطاعتهن التنكر في غشاء الابتسام دون استعمال ولو جرعة واحدة من المرح المفرط، لذلك نرى بعضهن يخن أنفسهن ويبحن بأسرارهن الداخلية، بما في ذلك اللواتي تصلن إلى جزء لا يتجزأ من السعادة المطلقة، ولهذا يمكن لنا أن نرى البعض يبوح بما بداخله بابتسامة واحدة فقط.

هكذا يتبين لنا أن الابتسامة قد تكون خليطًا بين الخير والشر، وبين النشاط والمتعة، وبين الصدق والكذب، وبين الزائف والمضحك، وبين الإخلاص والتدليس، وبين المكر والاصطناع، وبين البوح والسكوت، وبين الانسكاب والتدفق الداخلي، وليتأكد لنا أيضًا أن المرأة هي الكائن الوحيد الذي لا يستطيع أن يكشف ما بداخله ولو ابتسم أو ابتسمت له ألف مرة، والشيء نفسه ينطبق على ماهية الابتسامة، لكني ربما أعطيت صورة غير حقيقة للابتسامة أو ألحقت بمن يبتسمون الضرر وتماديت في وضع خلاصات استباقية للابتسامة، إلا أن هناك من يبتسم مصطنعًا الابتسامة تحت مبادئه الشريرة، وفي المقابل من يبتسم لكي يبتسم تحت نصائحه الفاسدة، وإلى هنا يتفق الرجل والمرأة أتم الاتفاق ثم يفترقان.

لكننا جميعًا نبتسم لأننا نتذكر، وإن جهلنا ما نتذكر. وبالتالي فهناك علاقة وطيدة بين الابتسامة والتذكر، وذلك راجع إلى كون الإنسان الكائن الوحيد الذي بمقدوره أن يزاوج بينهما، ويصنع ضربًا من أضرب التفكير غير المتناهي، معتبرًا هذا الإنسان الابتسامة كاللغة يعبر بها عما بداخله وما يتجاوزه في لاشعوره، فيصعب علينا إذن إدراك ماهية الابتسامة وكتابة تاريخها، والوقوف على لحظتها الزمكانية، كما قد نجد البعض يلجأ إلى للابتسامة بصفتها وسيلة هروب؛ هروبه من حال نفسه أو هروبه من واقعه السيكولوجي، أو كغاية يريد بها توثيق لحظة حنين عاشها وما زالت تعلق في ذاكرته، أما البعض فيلجأ للابتسامة اقتناعًا منه بكونها أسلوبًا في الحياة وفي التواصل ومخالطة الآخرين.

 لكننا نرى اليوم الابتسامة كالوعد الكاذب وكالحياة السطحية التي لا يطفو فوقها سوى فقاعات صغيرة وكبيرة من فرح وأسرار، وحزن وألم الإنسان، ووفق هذا الاتجاه؛ فالابتسامة إذن هي علامة من علامات عالمنا الداخلي الفطري، التي تُصر وتأبى إلا أن تظهر على سطح جسدنا اليومي، لكننا كثيرًا ما نجد من يبتسمون ابتسامة عريضة تفوق تصور عقلنا المرح الفضولي، علينا ألا نتوقف عن الابتسام، كما يتوجب علينا أن نبتسم في الخفاء لإحداث فوضى داخلية ولتفريغ ما بداخلنا كما نفعل في الظلمة، كما يتوجب علينا أن نبتسم في العلن ببراعة وإتقان، كي لا نبوح بأسرارنا للآخرين ونخون أنفسنا وذواتنا الهادئة، ففي ابتسامة الإنسان أُلوف من المعاني وضروب من أسراره الداخلية، نحن بحاجة للابتسامة لنطهر أنفسنا من كل شر، فوحدهم المبتسمون عنوة من يعرفون أسرار الآخرين، ووحده المبتسم من يعرف مقصده وسر ابتسامته، ووحدها ذات المزاج المتقلب من تفشي أسرارها بابتسامة واحدة. ومن الممكن فعلًا، أن تتضمن كل ابتسامة إنسان جانبًا مهمًّا من شخصيته وتحتم علينا تأويلات عدة لها، فحيث تظهر الابتسامة يظهر سلوك الفرد الواحد، ومن المغري أن كل الشعوب تبتسم ما عدا التي فقدت نصيبها من الفنون والمحاكاة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

نبتسم

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد