صرخ في وجه زملائه بعد أن قرأ الخبر على الفيس بوك: «محمود عبد العزيز مات»!
قال الكل في فم واحد: «الله يرحمه».

لم يتمالك نفسه، كتب سريعًا على صفحته على الفيس بوك، «الساحر» مع وضع صورة للفنان محمود عبد العزيز، وطلب من الجميع أن يدعوا له بالرحمة.

في اليوم التالي، كانت الأسرة متجمعة، وبدأت أخته تحكي عن مأساتها مع ابنتها لأنها تريد الالتحاق بمعهد الفنون المسرحية لكي تشتغل بالتمثيل. قام وصرخ في وجه ابنة أخته: «تمثيل ايه ومسخرة ايه، التمثيل حرام»!

إن كثيرًا من الناس يعانون من هذه الشيزوفرينيا. لو سألتهم عن نوع من الفن، كالتمثيل، الغناء، النحت، العزف، فإنهم يميلون كثيرًا إلى تحريم هذه الفنون. وربما منعوا أفراد أسرتهم من مزاولة أي منها. فما هي تلك اللفظة «الفن» التي تثير كثيرًا من الجدل؟!

الفن طبقًا لقاموس المعاني هو جملةُ الوسائل التي يستعملها الإنسان لإثارة المشاعر والعواطف، وبخاصة عاطفة الجمال ، كالتصوير والموسيقى والشعر.
ولعل الشعر، والكتابة بشكلٍ عام، لا يحظيان بالنصيب الأكبر من الجدل. بل يحظى به التمثيل، والغناء على حد سواء.

تطلب الموضوع مني الكثير من التفكير. أنا شخصيًّا كنت أريد تعلم الموسيقى منذ الصغر، ولكن كثيرًا ما أزحت الفكرة عن رأسي لأن محفظة القرآن أخبرتني بحرمانية المعازف. على أي حال قد وجدت بعد سنين من البحث ما يجعلني أميل إلى أنها حلال، وتعلمت بالفعل آلة موسيقية. لكني بقيت أتساءل: ماذا عن الفنون في المطلق؟!

عندما انخرطت قليلًا في بيئة العازفين، اكتشفت أن ذلك العالم به الكثير ممن يعتقدون أن الخمر، أو الحشيش، أو ما شابه مما يذهب العقل أو «يعدل المزاج» يعد مصدرًا للإلهام، ذلك فضلًا عن حياة الليل الصاخبة من حفلات وسهرات، بالإضافة إلى البيئة التنافسية الشديدة الممتزجة بالحقد والضغينة. ولكن ليس كل العازفين والمغنيين من هذه النوعية، فقد رأيت لاعبين ومغنيين يهتمون كثيرًا بدراستهم إن كانوا في المرحلة الجامعية، أو بعملهم إن كانوا مشتغلين بشيء غير الفن، وكذلك بحياتهم الروحية، أو السياق الإيماني في حياتهم.

ومع ما ذكرت في السطر السابق إلا أني أرى أن كثيرًا من النماذج السلبية للأجواء التي يعيش بها الفنانون هي التي تطفو على السطح. ذلك لأن الناس تحب الأشياء المثيرة، الأنماط الخارجة عن نمط حياتهم. الناس يحبون الاستماع إلى فضائح الفنانين وسقطاتهم، وهذا تمامًا ما يقدمه لهم الإعلام.

هؤلاء من الفنانين الذين ربطوا فنهم بالخدر والإدمان ساهموا في ربط الفن بالموبقات في أذهان الناس، وكادوا يفقدون فنهم وحياتهم أو فقدوها بالفعل! وأذكر هنا جاك بروس لاعب البيس جيتار الشهير والمميز، عندما أدمن على المخدرات وكاد يفقد حياته لولا مساندة زوجته[1].
كما أذكر لاعب الجيتار ومؤلف الأغاني الموهوب سيد باريت، الذي أدمن الكحول والمخدرات وفقد نتيجة لهذا عمله مع فرقته المحببة والمعروفة «Pink Floyd».

إن الفن في المطلق كما يُفهم من قاموس المعاني: أداة لتنمية الإحساس بالجمال. أما ممارسات من يزاولون الفن فأراها السبب الأساسي في تلك الهالة من «الحرمانية» التي ترتبط باللفظة في أذهان العامة؛ صورة مجموعة من الفنانين في ملهى ليلي، أو بملابس لا تمثل المجتمع الذي نحيا فيه، أو أنهم يتعاملون  بمبادئ لا تتسم بكثير من الرقي، أو تصرفات بها بعض من الفجاجة.

لماذا قد يرى أي منا حرامًا في لوحة ذات ألوان زاهية لمنظر طبيعي، أو منحوتة جذابة؟  لماذا قد يشعر أي منا بحرمانية في أغنية لفيروز، أو موسيقى لتشايكوفسكي، أو مشهد مسرحي؟
إن الفن في ذاته، المعنى المطلق لا أجد سببًا لتحريمه، أما الطريقة التي يُقدم بها الفن فيمكننا أن نتناقش فيها، وأن نعترض عليها، أو أن نؤيدها.

لقد حاول المفكر الإسلامي علي عزت بيجوفيتش في كتابه «الإسلام بين الشرق والغرب» إزالة بعض من روح العداء التي تربط بين لفظة «الدين»، ولفظة «الفن».

إنه يُنظّر في فصل كامل تحت عنوان «ظاهرة الفن» لفكرة السمات المشتركة بين الدين، والفن.

ويقول في إحدى الفقرات: «في جذور الدين والفن هناك وحدة مبدئية. فالدراما ذات أصل ديني، سواء من ناحية الموضوع، أو من ناحية التاريخ»[2].

الفن أداة للتعبير، أداة للشعور بالجمال وإبرازه. الفن كما في رأي بيجوفيتش لربما يكون نمطًا من أنماط العبادة، أو يكون كما يرى كافكا نوعًا من الصلاة.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

[1]»The Man behind the Bass« documentary, BBC Scotland Production, 2012.
[2] علي عزت بيجوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب، تقديم عبد الوهاب المسيري، ترجمة محمد يوسف عدس، الطبعة السادسة، دار الشروق، ص150.
عرض التعليقات
تحميل المزيد