لا شك في أن العالم كله بصفة عامة، والمنطقة العربية بصفة خاصة يشهدان منذ سنوات حالة من الصراع السياسي والعسكري والمجتمعي «إنها الفوضى»، حيث الأحداث المتلاحقة المتسارعة المتداخلة، وهو ظرف فيه يسهل لأي أحد أن يبث سمومه في ظل غفلة الجميع، حيث تلاشى التركيز وترتيب الأفكار، ونتيجة ذلك كله، تعددت الأطراف، فصار كل طرف لا يرى إلا أخطاء الطرف الآخر – وفي هذه، كل الأطراف سواء – ناسيًا أو متناسيًا أخطاءه الكارثية، ومن ثم، فأرى أنه يتحتم على الصحافة والإعلام – وهذا ما قد يشهده العالم خلال السنوات القادمة – أن تقوم جل فنونهما على الاستقصاء الذي يدعمه العقل.

– عدة مقالات سابقة كتبتها وما زلت مستمرًا، بدا من مضمونها أني أناصر طرفًا هو الظالم، وأني أتحامل على طرف هو المظلوم، كلا، كلا، فالأمر والله على غير ما يظنون، وأقولها صريحة، والله ما أردت إلا أن أفتح بابًا للهيمنة على المعسكرين، تمر من خلاله كل الأطراف، حتى يبدأ الجميع رحلته نحو الفضاء الأرحب، بعيدًا عن هذا الضيق الذي أدى إلى الفوضى الاجتماعية التي أصيبت بها الأمة، وليس لأطرافها – من الأتباع – يد فيها غير أنهم مؤيدون ومعارضون، وذلك دون الالتفات إلى الحقائق التي مرت عليهم وعاشوها وشاركوا فيها منذ فترة قريبة جدًا.

– تعمدت أن أبدأ ذلك بالحديث عن المعسكر المعارض، لأنه هو الذي وصل إلى الحكم، وهو الذي أضاع الحكم، وهذا ما يستميل المعسكر الآخر، فيقرأ لك، يقتنع بك، يتابعك، دون أن يدري يثق بكتاباتك ورؤيتك، وفي هذه اللحظة يتحتم عليَّ أن أبدأ في تنبيهه برفق، إلى الأخطاء التي وقع فيها هو «ومعسكره»، وكيف أنه كان مخدوعًا – وكلنا سقطنا في فخ الخداع – وأنه ينبغي عليه أن يبدأ في إعادة تفكيره مرة أخرى، ويولي الحق ولاءه، وأعلم أنه قد لا ينبغي توضيح هذا الآن، ولكنني أعلم شيئًا عن الطبيعة المعاصرة، ثم أنني لن أكذب في شيء على هذا أو ذاك، فقط ترتيب الأحداث والأفكار، وتقديمها بطريقة تشعره فقط أنه أخطأ كما أخطأ الآخرون، وذلك بأدب جم.

– لم تكن البداية عشوائية في الاختيار، بل لقد رسمت طريقًا لنفسي، وقد حددت معالمه، آملًا أن أشارك في الوصول إلى الهدف الأسمى، إن أراد الله ذلك، وكفانا أن نحاول في خدمة الأمة المكلومة.

– اتسمت الكتابات بالاستفاضة في الاستقصاء، ثم الرؤية العقلية – قد تكون فقرة أو أكثر -، واضعًا إياهما في إطار حُسنِ المنطقين، المنطق البياني والمنطق العقلي، ولقد تعمدت هذه الطريقة لغايتين.

– أما الأولى، فتأتي من خلال الاستقصاء، وهو فن إن وُظِّف كما ينبغي، يُعد بمثابة الضربة الأولى التي يتلقاها خصمك الأول، حيث تجعله غير قادر على التركيز، بعد ذلك، تدخل الرؤية العقلية التي ينبغي أن تكون جديدة، لتكون بمثابة الضربة الثانية التي تسقطه أرضًا نتيجة قوتها ومفاجأتها، النتيجة من ذلك أنك ستجد خصمك طريحًا بلا حجة، وقد أصيب بالشللين، الشلل الفكري، والشلل الحركي، وأعلم أنه سوف يغضب، وقد يتطاول ويسب ويخوِّن، وفي هذه نعذره، فهذا من أثر الصدمة عليه، لكنه سوف يهدأ ويفكر، حتمًا سوف يفكر، وهي ذات الطريقة التي تثير بها المعسكر الآخر، إن تمكنت من ذلك، فلقد أشعلت ثورة الفكر، سوف يصبح الجميع يفكر، ساعتها يفتش عمن يقوده، ساعتها قد فتحت باب الهيمنة لتقف أمامه تدعو الناس إلى الدخول فيه.

– بدأت في ذلك بالفعل، وربما كانت هناك استجابة من البعض ليبدأ التفكير مرة أخرى، ولكن بطريقة جديدة بعيدة عن زحام الواقع، بينما هناك من ظن ظنونه، بل يعتقد اعتقادًا أن كاتب هذه المقالات ما هو إلا ممن يناصرون الباطل وأهله، لقد حكم وظن أنه مطلع على كل شيء دون أن يتروى أو يسأل، وأنا أعذر هؤلاء، لأني على يقين بالحالة المعاصرة، وما قد ابتُلِيَتْ به من سطحية، وجرأة في الحكم على عقائد الناس لا انتماءاتهم فقط، بل وأحيانًا الجرأة في الحكم على خاتمتهم، فهذا في الجنة وهذا في النار.

– أيا هذا الذي أزعجتك كلمات نُشرت في بعض المواقع، قل لي ما الذي قدمتَه أنت، ما الذي قمت به لخدمة الأمة، حدد لنا أزمة وحدثنا عن مخرج لها – حتى وإن كان اجتهادًا -، حدثنا عن إنجازاتك، حدثنا عن محاولاتك في إخراج الأمة من كبوتها، ثم وليحدثنا الجميع ممن أداروا المشهد – وما أداروه إلا لأن الساحة كانت خواء – عن إنجازاتهم وأفكارهم، فوالله لا شيء سوى التخوين والتجريح في الآخرين – للاستقطاب -، وما أيسر الاسترسال في ذلك.

– سأحاول أن أستمر، فإن يَكُ خيرًا يُمضِه الله، والله يسمع ويرى، وأردد دومًا، إذا أراد الله شيئًا هيأ أسبابه.

– وأختم، رغم الظاهر المرير، فإنني أؤكد على أن الانفراجة قادمة إن شاء الله، ولكن، لابد لها من شروط تنطبق على الجموع، ثم لابد لها من شروط تنطبق على من يقودونها، فلنبادر ولنتجرد، ولنتخلص من تلك العصبية الممقوتة المذمومة، فلنتخلص من ضيق الانتماءات، فلنكن مسلمين لا إسلاميين، حتى نكون جاهزين لها، بأن نبذل أسبابها.

– وإذا أراد الله شيئًا هيأ الأسبابَ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

حكم, سياسي, عربي(
عرض التعليقات
تحميل المزيد