نستكمل معًا أسباب الانحيازات المسبقة

الجهل العلمي: أضفت وصف العلمي للجهل للتفريق بينه وبين الأمية؛ فليس المجال هنا الحديث عن الأمية؛ بل الجهل بالمعلومة مناط الخلاف. حتى لو كان الجاهل بالمعلومة محل الاختلاف أستاذًا جامعيًّا أو عالمًا شهيرًا فهو هنا «جاهل». وربما يكون الجهل أهم أسباب الانحياز المسبق. لا يدرك الجاهل حين ينحاز مسبقًا ضد الحق أنه يفعل ذلك. لكنه يفعله على كل حال. والسبب هو جهله بما يحاربه. لذا قالوا قديمًا:«المرء عدو ما يجهل» وهي عبارة حكيمة وترجمتها على أرض الواقع لا تحتاج إلى دليل.

يوماًا ما كنت في رحلة مع بعض الأصدقاء إلى سيناء والتي تبعد عن القاهرة مسافة أطول من مسافة جواز قصر الصلاة بلا خلاف. فلما حضرتنا الصلاة وقدَّمني أصدقائي إمامًا في الصلاة نوهت إلى أننا سوف نقصر في الصلاة حتى إذا كان من بين من انضموا إلينا من هو من أهل سيناء مثلًا أن يكمل صلاته بعدنا. رفض رجل متوسط العمر هذا الأمر تمامًا وقال أنه لا يجوز لنا القصر في الصلاة؛ إذ إننا في رحلةٍ لا في جهاد في سبيل الله كما كان الصحابة. لا أعرف من أين أتى هذا الفهم لكنه بالتأكيد جهل بأحكام الصلاة. فلما شرعت في إقناعه غادر المصلى وتركنا نصلي وصلى وحده.

وفي موقفٍ آخر كنت أزور أختي في مكان عملها بالقاهرة فدعاني رئيسها في العمل إلى كوب من الشاي. رفضت بأدب بعذر أنني صائم. كان ذلك في العشر الأوائل من ذي الحجة وقبل يوم عرفة بيومين تقريبًا. استنكر الرجل صيامي وقال إن السنة صيام الأيام الثلاثة الأوائل فقط من ذي الحجة. فلما ناقشته دافع عن موقفه بأن السنة صيام «العُشر (بضم العين) الأول (بفتح الهمزة وفتح الواو المشددة)» ليكون المعنى فعلًا «عُشر الثلاثين يومًا أي ثلاثة أيام فقط وهو الأيام الثلاثة الأوائل». ساعتها فهمت سبب غلطه وأوضحت له النطق الصحيح للحديث الشريف «العشر بفتح العين والأول بضم الهمزة وفتح الواو المخففة» لتكون العشرة أيام مجازًا والتسعة أيام فعلًا. لكنه للأسف ساعتها لم يبد مقتنعًا لقوله: هذا نطق غريب للكلمات لا أعرفه ولم أسمع عنه.

الشاهد أنَّ كلا الرجلين لم يمنعهما عن الاقتناع بالعمل أو تأييده إلا جهل كلٍّ منهما بالأمر. فالأول جاهل بأحكام الصلاة والثاني جاهل بالحديث الشريف وباللغة العربية. والأهم في الحالتين أنه يبدو أن كلًّا منهما كان يعتمد في تحصيل ثقافته الشرعية من كتاب لا من سماع شروح المشايخ؛ لأنه لو سمع أحدهما شرح الصلاة أو شرح فضل الأيام العشر من ذي الحجة لعلم كل منهما الحق فورًا ودون معاناة. فلا هذا الأمر ولا ذاك يحتاج إلى علم غزير أو تخصص.

التعصب العنصري: كما أن العنصرية تورث صاحبها الظلم فإنها تخلق الانحياز المسبق في الآراء والتوجهات كذلك. قد تكون العنصرية ضد العرق أو اللون أو المكانة الاجتماعية أو الوضع الاقتصادي أو الدين أو حتى المهنة والوظيفة. لا حصر لأسباب العنصرية ولا حدود لها عند من لديه استعداد نفسي للوقوع في شباكها. وفي كل حالات العنصرية تكون إحدى النتائج الطبيعية الانحياز المسبق ورفض الحق لو جاء على لسان الطرف مهضوم الحق. وللأسف الشديد قد تطال العنصرية أصحاب التدين الظاهر الذين يسوغون عنصريتهم بمسوغات تبدو في ظاهرها شرعية لكنها في الحقيقة ليست إلا عنصرية مقيتة.

بعد انتهاء الدوام خرجت من الكلية بصحبة دكتور مصري فاضل، وكان ذلك وقت أذان المغرب. دخلنا أول مسجد لنجده خاويًا على عروشه رغم كونه كبيرًا واسعًا وفي منطقة حيوية جدًّا وعلى أحد الشوارع الرئيسة. صلينا تحية المسجد وانتظرنا أن يأتي آخرون. مر وقت طويل بالنسبة للصلاة ولم يدخل مصلٍّ واحد. فتوجهنا بطبيعة الحال نحو القبلة وأقام صديقي الصلاة وقدمني إمامًا. وكان كل منا ساعتها يرتدي بذلة كاملة مع رابطة العنق كالعادة. بعد انتهائي من الفاتحة وأثناء قراءتي القرآن شعرت بأحدٍ يدخل المسجد فأطلت القراءة حتى أسمح له بدخول الصف. لكن أحدًا لم يدخل الصف وظل الدكتور إلى يميني. تعجبت لكنني لم أجد مفرًّا من استكمال الصلاة. وكلما استمرت الصلاة شعرت بدخول المزيد من المصلين، حتى صار الجو واضحًا من كثرة الناس.

حتى إذا انتهيت من الصلاة وجدت المسجد ممتلئًا بالمصلين الخليجيين باللباس المعروف. وما إن سلمت التسليمة الثانية حتى أقام أحدهم الصلاة وتقدم نحو القبلة دون كلمة واحدة. العجيب أن هذا الجمع الخليجي كله اتفق على عدم الصلاة خلف «مصري» رغم أن قراءتي بفضل الله بصوتٍ عالٍ في الصلاة تظهر وتؤكد مدى إتقاني لحفظ القرآن الكريم ناهيك عن أحكام التجويد التي لم أغفل عن صغير منها أو كبير. ثم يتقدم بعدي للإمامة من ربما لا يحفظ أكثر من بعض قصار السور ويلحن لحنًا ظاهرًا في القراءة لكن الجميع يأتمون به عن رضا. لماذا؟ لأنه خليجي!!!

ليس هذا موقفًا وحيدًا شاذًا متفردًا إطلاقًا. بل هو للأسف الشديد القاعدة العامة. وما يشذ عن القاعدة إلا ما يثبتها. والحيلة العقلية التي يسوغ بها هؤلاء لعنصريتهم هي اتهام «جموع المصريين» بالقبورية أي زيارة قبور الصالحين وما يحدث حولها من البدع. لكن التفسير الصحيح للموقف هو الانحياز المسبق «في موقف الصلاة خلف غير أهل البلد» المبني على «التعصب العنصري» ليس إلا. ومسوغات عدم الصلاة خلف غير خليجي لا تقنع طفلًا صغيرًا.

التعصب المذهبي: لا يختلف التعصب المذهبي عن التعصب العنصري في تدميره لصاحبه ومَن حوله. إلا أنه يتم تقديمه في غلاف من العلم وادعاء البحث عن الحق وامتلاك الدليل والبرهان. وأزعم أن التعصب المذهبي هو أحد أخطر أسباب الانحياز المسبق؛ لأنه يسوغ لصاحبه ما يفعل من بطر الحق الذي يأتي على لسان المخالف. وربما يبعث الطمأنينة في قلب المنحاز مسبقًا الرافض للحقيقة في رفضه إياها؛ إذ تحدثه نفسه أنه على الحق، وأنه ليس متبعًا لهواه وأن غيره على الباطل دون شك.

والانحياز المسبق المبني على التعصب المذهبي يسبب كوارث فكرية واجتماعية حتى إن بعضها يثير السخرية، وهذه أمثلة واقعية تعد من العجائب الفكرية والمهازل القناعية إن جاز التعبير:

– أحمد بن محمد الخلوتي المالكي، الشهير بـ(الصاوي): قال في حاشيته على تفسير الجلالين:«لا يجوز تقليد ما عدا المذاهب الأربعة، ولو وافق قول الصحابة، والحديث الصحيح، والآية، فالخارج عن المذاهب الأربعة ضالٌ مضل، وربما أداه ذلك للكفر، لأن الأخذ بظاهر الكتاب والسنة من أصول الكفر) حاشيته على الجلالين، تحت تفسير الآية 23 من سورة الكهف.

– أبو حفص السفكردري الحنفي، نقل عنه ابن نجيم في (البحر الرائق) فقال:«قال الشيخ أبو حفص في فوائده: لا ينبغي للحنفي أن يزوج بنته من رجل شفعوي المذهب. وهكذا قال بعض مشايخنا، ولكن يتزوج بنتهم. زاد في (البزازية) تنزيلًا لهم منزلة أهل الكتاب» البحر الرائق (51/2)

محمد بن موسى البلاساغوني الحنفي، قاضي دمشق، قال:«لو كان لي أمر لأخذت الجزية من الشافعية» ميزان الاعتدال (4/52)

محمد بن شجاع الثلجي الحنفي، وكان من أصحاب الرأي يبغض أهل الأثر – أي أهل الحديث – وكان يقول في أصحاب أحمد بن حنبل:«أصحاب أحمد بن حنبل يحتاجون أن يُذبحوا» التعصب المذهبي للدكتور خالد كبير علال.

هذا غيض من فيض من الأمثلة على التخبط الفكري الحاصل من جراء التعصب المذهبي. أي إن المتعصب لمذهبه يكون أسيرًا للانحياز المسبق لفكره ومذهبه حتى إنه يكون على استعداد تام لمخالفة المنطق السليم والعقل الواعي؛ بل والحق الواضح المبين فقط لينصر مذهبه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد