اليهود ومحاكمة إيشمان: الإنسانية ضد الصهيونية  

سنة ١٩٦١ أرسلت جريدة «نيويوركر» الفيلسوفة السياسية حنة أرندت لتغطية محاكمة إيشمان؛ حيث كان الأخير متهمًا بجرائم ضد الشعب اليهودي، وجرائم ضد الإنسانية. وصفت أرندت إيشمان بالسفاح / الموظف وتقول: إن المشكل مع إيشمان هو وجود الكثير من الذين يشبهونه، والذين لم يكونوا مصابين، لا بالشذوذ، ولا بالسادية، كانوا ولم يزالوا أشخاصًا عاديين لدرجة رهيبة ومخيفة، ومن خلال هذا الاستغراب تطرح أرندت مسألة الوعي والضمير من خلال حالة إيشمان، هل شعر بتأنيب الضمير؟ وعندما أجاب إيشمان بأنه لا يشعر بتأنيب الضمير، وأضاف محاميه بأنه لا يشعر الذنب أمام القانون، بل أمام الله فقط.

ومن خلال هذه الأجوبة تضع أرندت أمامنا مأزق سياسي بالدرجة الأولى وفلسفي بالدرجة الثانية حيث تتساءل: هل يمكن أن نكون مواطنين صالحين محترمين للقانون في اللحظة التي نكون فيها مخالفين لقوانين أخرى؟ كيف يمكن أن نصل من خلال احترام القانون إلى ارتكاب جرائم ضد الإنسانية؟ وكيف يمكن أن نعصي ما يجب طاعته ونضيع ما يحب عصيانه؟

انطلاقًا من هذه الأسئلة بعد ست سنوات من محاكمة إيشمان تحتل إسرائيل مناطق فلسطينية أخرى، وذلك بعدما أعلنت إسرائيل دولتها الاستيطانية عام ١٩٤٨، بعدما أبادت قرى كاملة وتهجير سكانها. واليهود الذين استغربوا أفعال النازية اللا إنسانية، يقوم بدوره بأفعال لا تقل وقاحة عن النازيين أنفسهم. فكيف لليهودي الذي تعرض شعبه بالإبادة والتهجير أن يقوم في نفس الوقت تهجير وإبادة شعب آخر؟ وعلى غرار أسئلة حنةأرندت كيف استطاع المواطن الإسرائيلي الذي يحترم قانون دولة إسرائيل أن يقوم بمخالفة قوانين أخرى؟ مثل أن يقتل فلسطينيًا ويغتصب أرضه؟ وكيف له أن يرتكب جرائم في حق الفلسطينيين ويعصي قيم الإنسانية ويضيع قوانين الاستيطان والتمييز العنصري.

في المقابل كانت القيادة الصهيونية تدرك مدى الازدواجية الموجودة في محاكمة إيشمان فقد أصر بن غوريون محاكمة إيشمان على أساس جرائمه ضد اليهود، وليس ضد الإنسانية؛ لان ذلك يمنع مقارنة هذه الجريمة مع جرائم أخرى ارتكبها بن جورين ذاته في حق الفلسطينيين. وعلى هذا الأساس استبعد القادة الصهيونية إقحام موضوع الإنسانية في محاكمة إيشمان. أما المثقفون اليهود أمثال حنة أرندت فإنها أصرت إقحام موضوع الإنسانية في محاكمة إيشمان لتنتج كتابها المثير، والذي كما يقال لم يترجم إلى العبرية ابتعادًا عن إثارة النزعة الإنسانية عند الإسرائيليين حتى لا يتعاطفوا مع الفلسطينيين.

رغم وضوح موقف حنة من الصهيونية ورفضها الكامل لإبادة شعب من أجل شعب آخر، ووصفت فلسطين بأنها أرض لشعب آخر أصليين ولا يمكن لأي شعب أخر بناء مستوطنات استعمارية.

أما موقفها من ثورة الزنوج فإنه بالفعل مخز جدًا ومؤسف في نفس الوقت، إذ إن حنة أرندت وقفت بدون تردد مع الصف الرجل الأبيض ضد مصالح السود، وقعت في مأزق أخلاقي لا يمكن نسيانه.

اليهود ومشكلة الزنوج: الاصطفاف مع الرجل الأبيض

وللأسف وقعت حنة أرندت بفخ العنصرية والاصطفاف مع الظالم وذلك في مواقفها ضد القضايا السود العادلة، وقد تتبعت كاثرين جاينس في كتابها بعنوان حنة ارندت ومشكلة الزنج، كيف تعاملت حنة أرندت مسألة الزنوج في الولايات المتحدة، وكانت الرسالة المحورية في كتاب جاينس: إنه على الرغم من التزام حنة أرندت بمنهج شامل ومحايد للفهم، أي النقد المناسب لمعاداة السامية والتجربة الشخصية للتحيز، إلا أنها أعادت إنتاج موقف سيادة البيض تجاه حركات السود السياسية والاجتماعية في أمريكا وأفريقيا، ليس فقط، بل إن تعريف أرندت بآرائها قاد إلى ظلم معرفي ودعم العنصرية ضد السود، وأن مفاهيم أرندت السياسية والأخلاقية الشاملة لم تركتها غير قادرة على أخذ عزم العائلات السوداء على المطالبة بالحصول على فرص متساوية لتعليم عالي الجودة على محمل الجد.

عندما كانت حنة أرندت تتهم السود بالفوضى كانت تلك الحقبة معروفة بالتحول الراديكالي حيث كان مالكوم إكس معارضًا شرسًا للصهيونية، وكتب مقالة بعنوان المنطق الصهيوني عام ١٩٦٤، وأوضح مالكوم الإخضاع المتوازي للفلسطينيين والأفارقة، وأشار أيضًا إلى الموضع الاستراتيجي لإسرائيل بالنسبة للإمبريالية العالمية، حيث سعت الإمبريالية العالمية إلى تقسيم الدول العربية كما فعلت هناك في أفريقيا. ويمثل مالكوم أحد أهم القادة الأمريكيين السود الذين التقوا قيادة منظمة التحرير الفلسطينية والتي نشأت في ذلك العام.

وفي نفس المنوال عام ١٩٦٧ كتب جيمس بالدوين الأديب والناشط الاجتماعي مقالًا في جريدة نيويورك تايمز بعنوان الزنوج أعداء للسامية لأنهم أعداء البيض، ويقول بالدوين: لا يمكنني إلا أن أتعاطف مع السود في نيويورك؛ فهم يكرهون أصحاب البقالات اليهود، وأصحاب مكاتب الرهنيات اليهود، وأصحاب العقارات والسكن، اليهود، ويصرحون بكرههم لليهود، إلا أن الواقع يقول إن السود كرهوا الرجل اليهودي، ليس لمعاداتهم للسامية، بل لأن اليهودي تقمص شخصية الرجل الأبيض، وأصبح يتعامل معهم كأي رجل مسيحي أبيض.

ونشعر في كتابات مالكوم وجيمس بالدوين وأخيرًا كتاب كاثرين جاينس أن الرجل اليهودي ليس إلا نتاجًا كولونياليًا ومن مخلفات استعمار الرجل الأبيض، ولهذا فإن الصهيونية باعتبارها نتاجًا كولونياليًا فهي بالفعل عدوة لأي رجل أسود يحترم قضية حقوق السود في أنحاء العالم.

المعذبون في الأرض: استحضار فانون

إن حضور فانون في المسألة الفلسطينية تشير إلى العلاقة الأبدية بين ضحايا الاستعمار في أنحاء العالم، حيث تحولت سياسات الاستعمار من القتل والتهجير والترهيب إلى قضية عالمية، وكذلك وما تتركه هذه السياسات من آثار نفسية على المستعمر أسودًا كان أم فلسطينيًا، وبالتالي فإن أعمال فانون المتمثلة في كتابه (معذبو الأرض) هو بيان فلسفي واجتماعي للتعبير عن الذات والتحرر من الاستعمار وفك الارتباط به.

ويمثل فانون نقطة مهمة في علاقة السود بالقضايا العربية حيث كان فانون جزائريًا مناضلًا رغم كونه مناضلًا جاء من مارتينيك، ثم إلى فرنسا؛ فانضم إلى الثورة الجزائرية بقيادة جبهة التحرير الوطني لم تمنعه أن يكون جزائريًا، وبالتالي فإن علاقة السود بالقضية الفلسطينية تأخذ في هذا المنوال أهمية ملحة واستمرارية أبدية.

وكذلك حضور فانون يعيد إلينا الصراع الثقافي والنفسي الذي يخوضه المناضلون ضد الاستعمار، بدأ بتزييف الوعي ونشر دعايات كاذبة مثل نشر التحضر باعتبار أن الاستعمار جاء لنشر الحضارة، وكذلك دعوة الصهاينة بأن فلسطين كانت مستنقعات مليئة بالملاريا، لكن اليهود جعلوها أرضا صالحة للسكن، كل هذه الادعاءات الصهيو – إمبريالية، وكذلك التعذيب والقتل الممنهج، ولا سيما حينما يكون الموت معرقن – العرق – مما يعني أن بكونك فلسطينيًا في الأراضي الفلسطينية المحتلة أو أسود في الولايات المتحدة الأمريكية، فإنك معرض للقتل بسبب عرقك الأسود أو العربي، لهذا يتعرض للقتل الممنهج، وبعدها تلصق به التهم بأنه كان مسلحًا أو كان ينوي قتل شرطي إسرائيلي بالسكين.

جنوب أفريقيا: الصهيونية باعتبارها نتاجًا كولونياليًا

والشيء المهم في علاقة السود بالفلسطينيين هي مسألة الاستيطان والتمييز العنصري الذي وقع في جنوب أفريقيا، ولأن هذا النوع من الاستعمار لا يشبه الاستعمار الكلاسيكي. حيث إن الاستعمار الاستيطاني هو استعمار ليس له دولة أصلية يرجع إليها، وبالتالي فإنه يقوم بالاستيطان والاستيلاء على الأراضي بقوة، ويقوم بوضع حواجز تفتيش وبناء جدار عازل بين المواطنين الأصليين وبين المستعمرين.

وكان يرتكز نظام الإبرتهايد (الفصل العنصري) في جنوب أفريقيا على النشاط الاستيطاني والذي انفصل عن الدولة الاستعمارية الأم، وكذلك تشكيل جماعة قومية من خلال هذا الاستيطان وتؤكد على تميزها العرقي عن السكان الأصليين، وكذلك وضع قوانين تحرم المواطنين الأصلين من التنقل وحق الاقتراع باعتبارهم العرق الآخر، وبالتالي فإن العرق الأرقى المستعمر الأبيض يحق لها امتيازات اقتصادية ويسيطر الثروة بشكل مطلق، وكذلك كان يرتكز بوضع سياسات ثقافية ودينية في تعزيز رؤية التفوق العرقي والتمييز العنصري ومحو تاريخ المواطنين الاصلين وتجريدهم من الصفات الإنسانية. هذه السياسات فعليًا تقوم بها إسرائيل في الضفة الغربية وداخل الخط الأخضر، وقد وصف هندرك فيرورد إسرائيل بأنها دولة عنصرية مثل جنوب أفريقيا.

من الواضح أن تضامن الرجل الأسود مع القضية الفلسطينية ليست مسألة تعاطف الضحايا مع بعضهم البعض وحسب، بل هي علاقة مصيرية، فالفلسطيني الذي يعيش في ظل قمع الكيان الإسرائيلي، وصار لاجئًا أو أجنبيًا في أرضه، لا يقل مصيرًا ومستقبلًا عن الأفارقة الذي تم نهب ثرواتهم واحتلت أراضيهم مثل جنوب أفريقيا، أو ذلك الأفريقي الذي يتلقى رصاصة الشرطي الأبيض في الولايات المتحدة بسبب لونه. هذا المصير وهذا المستقبل يجب على كل الأفارقة ومناضلي السود ومن يحترم الحقوق الإنسانية أن يقف مع القضية الفلسطينية باعتبارها قضية تحريرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فلسطين
عرض التعليقات
تحميل المزيد