تبدو الإدارات العربية ضائعة تمامًا عن الساحة الدولية وفق ما يصدر عنها من قرارات ومواقف، ذاهلة بذهنية من لا يعرف أين هو، بل أحيانًا تشعر أن بعض الإدارات ما زالت تعيش في كهوف ما قبل التاريخ.

المتتبع لتطور الإدارات العربية الحاكمة، منذ سقوط الخلافة الإسلامية عام 1924، وهو تاريخ نشوء تلك الإدارات، سيلحظ دون عناء أن لا توثيق، ولا دراسة، ولا استقراء ولا تحليل، ولا استنباط، ولا مراقبة، لا يمكن أن نصف نوع الإدارات العربية بأكثر مما كانت عليه العرب في الفترة الجاهلية المنصرمة قبل الإسلام، والذي يحسن بنا أن نسميه كما سمى نفسه «عنجهيات وعنتريات».

فكرة الإدارة العلمية، وفهم الدولة كمؤسسة وطنية، بعيد جدًّا عن حكام العرب، وأفضل ما يمكن أن يوصف به الحاكم العربي العام الآن أنه شخصية لا ترى في مستقبله أبعد من أنفه، وربما لو كان أكثر طموحًا أقول لربما وصل إلى رأس أنف ولده.

العرب ما زالت بعد 100 عام بالتمام والكمال من إلغاء الخلافة الإسلامية، ليس لديهم تعريف لأساسيات الحكم السياسي، فما هو الحاكم، وما هو مجلس الوزراء، وما هو الوزير، وما هو الدستور، وما هو القانون، كيف يمكن أن نقول خلاف ذلك، وقرار حرب دولة على دولة أخرى يتخذ في غرفة نوم الحاكم العربي، وكيف يمكن أن نلحظ غير ذلك وقرار التآمر العسكري يتخذ في مسبح حاكم آخر، وقرار منح دولة أجنيبة حبيبة حارسة حق التنقيب عن النفط لـ200 سنة قادمة يتخذ خلال جولة سياحية.

فكرة أن يجري ذلك مع معرفه الناس جميعًا لكل ذلك في الشارع العربي جد مستهجنة ومستهترة، حتى وإن ثبت أن الحاكم العربي ومن معه في شلة الحكم العربي يعرفون أن الناس تعرف، فلا تغيير في شكل الإدارة العربية السياسية، كأنهم يوحون للكل أن الحاكم العربي هذه الأيام لم يعد يكترث بأي «تهديدات داخلية» بعد أن ضمن جميع «التهديدات الخارجية» فلم تعد التعبيرات المرعبة سابقًا مثل «ثورة، انقلاب، تغيير حكم، قلب طاولة، غضب عام، كره عام، سخط شعبي» يمكن أن تؤثر في الحاكم العربي بل مطلقًا.

ذات جلسة قديمة التقيت رئيس وزراء عربي سابق، ابتسم وهو يقول لي هل تصدق «حينما طلب مني تقديم استقالتي، ركبت سيارتي متجهًا إلى حيث قصر الحاكم لكن مكالمة هاتفية جاءتني من مدير المخابرات الذي قال لي بالحرف الواحد: إلى أين تريد الذهاب فخامتكم، قلت له إلى قصر الحاكم لتقديم استقالتي فقال: لا داعي، ممكن فخامتكم أن تأتوا إلى دائرة المخابرات هنا سيدي، فرددت عليه مستهجنًا، هل تريد أن أقدم استقالتي وأنا رئيس وزراء إلى مدير المخابرات، هل هذا معقول؟ رد علي وبكل ثقة: أريد أن اوفر عليك سيدي الإحراج؛ فالحاكم مشغول جدًّا ذلك خير من أن تقدمها إلى مدير مكتبه، أرجو من حضرتك القدوم إلى هنا مع الشكر ، فسألته مندهشًا: وهل فعلت، ضحك بصوت عالٍ وقال: وهل أستطيع أن لا أفعل».

الأحاديث الجانبية المخبوءة في «حفلات الدبلوماسية» وبالأخص في حفلات «الأعياد الوطنية» لدول العالم و«حفلات التواصل الشللي»، وكذلك الدعوات العريضة الطويلة في «مزرعة أحدهم»، كي يثبت عيانًا جهارًا نهارًا كم هو منفذ في دولته، كفيلة أن تجعلك تشعر أنك تحلم أو تعيش حالة الإدارة السياسية العربية، تمامًا كما هو الحال في مسلسل السندباد.

أنا أحذر القارئ العربي فعلًا والمتابع، وكل حالم، أو متفائل أن يعتقد ولو لدقيقة واحدة أن هناك ما يمكن أن يسمى تخطيطًا سياسيًّا في كل عالمنا العربي، نظام الإدراة الوحيد لدى مؤسسة الحكم العربي يمكن تلخيصه بجملة وهي «إن أرض الدولة وما عليها ومن عليها ملك شخصي بحت تمامًا لإدارة الحكم»، وكما يقول المثل «من حكم في ماله ما ظلم».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد