في بداية عام 1445 كانت أدرنة عاصمة الدولة العثمانية حينها على موعد مع أول انقلاب عسكري في تاريخ الدولة، انقلاب قام به جنود الإنكشارية على أحد أعظم سلاطين الدولة في تاريخها؛ السلطان محمد الفاتح. كان الفاتح قد استلم العرش قبلها بعدة أشهر بعد تنازل والده مراد الثاني عن العرش لكن صغر سن الفاتح حينها (أربعة عشر عامًا) إلى جانب سياسته الاقتصادية التي لم ترض جنود الإنكشارية بعد أن قام بتخفيض قيمة النقود وتخفيف نسبة الفضة المكونة لها، كل هذا أدى إلى انزعاج العسكر وتمردهم والذي عبروا عنه بإحراقهم أكبر أسواق العاصمة أدرنة ونهبهم منزل الوزير صباح الدين باشا، إلى جانب محاولة الهجوم على قصر السلطان، لكن وبالرغم من أن حراس القصر استطاعوا الذود عنه وأرغموا الجنود على الانسحاب إلى منطقة تُسمى «بوجوك تابه» وهو الاسم الذي أطلق على محاولة الانقلاب لاحقًا، إلا أن الانقلاب انتهى بعودة السلطان مراد الثاني إلى الحكم.

منذ هذا التاريخ توالت الانقلابات العسكرية في الدولة العلية حتى انتهى الحال بآخر سلاطينها الأقوياء، عبد الحميد الثاني، معزولًا في السابع والعشرين من أبريل 1909، ثم جاء انقلاب الباب العالي في الثالث والعشرين من يناير 1913 لتنتهي سلطة السلطان فعليًا وتستبدل بها حكومة الديكتاتورية الثلاثية المعروفة باسم الباشاوات الثلاثة؛ وزير الداخلية محمد طلعت باشا، ووزير الحربية إسماعيل أنور باشا، ووزير البحرية أحمد جمال باشا، قبل أن تلفظ السلطنة أنفاسها الأخيرة على يد الجمهورية ورئيسها الأول مصطفى كمال أتاتورك في التاسع والعشرين من أكتوبر 1923.

ربما يظن البعض أن هذا التاريخ الطويل من الانقلابات العسكرية في بلاد الترك – والتي جاء بعضها لتصحيح الأوضاع أو للقضاء على فساد القصر أحيانًا – وازعًا للجيش أو الشعب للزعم بشرعية وأخلاقية بل وثورية هذه الانقلابات، خصوصًا وأن الإنكشارية كانت دومًا عاملًا هامًا وفعالًا في فتوحات الدولة العثمانية وتوسعها الإمبراطوري في بدايتها، لكن الأتراك يوقنون أن هذه الدولة دخلت طور الركود والانهيار بسبب نفس هذا الجيش. بل إن نظرة سريعة على تاريخ الانقلابات منذ بوجوك تابه وحتى الانقلاب الناعم ضد أربكان عام 1997 تنبئنا بأن المرات العديدة التي تدخل فيها الإنكشاريون في شئون الحكم وانتقال العرش كانت سببًا دومًا في إشاعة القلاقل والاضطرابات في البلاد، حتى إن السلطان محمود – ورغم تخلصه من الإنكشارية بعد أن أطاح بهم فيما يعرف بالواقعة الخيرية في 15 يونيو 1826 في مشهد بدا شبيهًا بمشهد الأمس في تركيا – إلا أنه لم يستطع القضاء على عقيدة الجيش التركي الذي ظل متأهبًا للتمرد كلما لاحت له فرصة، بل إن القرن المنصرم وحده وبعد قيام الجمهورية التركية شهد أربعة انقلابات ناجحة عصفت بالحياة الديمقراطية وأعادت البلاد للوراء عشرات السنوات.

من أجل هذا تبدو المقارنة بين تركيا ومصر في غير محلها تمامًا، مقارنة تفتقد أبسط قواعد العدل قبل المنطق، تفتقد إلى تعريفات تأسيسية تجعل من محاولة الربط بين ما حدث أمس في تركيا وما حدث في الثالث من يوليو 2013 في مصر مجرد حديث واه. وعليه فإن أردنا حقًّا المقاربة بين الحدثين أو بين الانقلابات بصفة عامة في تركيا ونظيرتها في مصر فيجب ابتداء أن نعلم أن كل انقلابات تركيا قد سميت انقلابًا بينما لم يرد هذا المصطلح في التاريخ المصري أبدًا، وحل محله كلمة ثورة حتى في أكثر اللحظات التي بدا فيها تدخل الجيش صارخًا وانقلابه لا خلاف عليه. يبدو تفسير ذلك السلوك منطقيًّا بالنظر إلى تاريخ البلدين منذ فجر التاريخ، فبينما اعتاد الأتراك منذ ألف عام أن يحكموا أرضهم، كان آخر حاكم من أصل مصري قبل محمد نجيب هو نخت أنبو الثاني آخر ملوك الأسرة الفرعونية الثلاثين قبل الميلاد بثلاثة قرون، وفي الوقت الذي لم تتعرض فيه عاصمتهم إسطنبول للاحتلال إلا عدة سنوات قبيل سقوط الدولة العثمانية ظلت مصر محتلة ألف عام كاملة منذ دخول الفرس وحتى خروج الروم على يد عمرو بن العاص.

قد تبدو هذه الكلمات نقدًا مباشرًا للشعب المصري واستخفافًا به، لكن الحقيقة أن الأجيال تتوارث تاريخها ووعيها الجمعي جيلًا بعد الآخر حتى تصبح قناعات هذه الأجيال وصفاتها متشابهة لحد التطابق، تصبح وكأنها جزء من جيناتهم لا فكاك منها إلا بعملية تغيير جذرية؛ عملية جراحية لم تجد جرّاحًا ماهرًا ليجريها بعد في مصر.

لذلك فإن اعتياد الأتراك أن يحكمهم بنو جنسهم جعلت من الانقلابات العسكرية – رغم كثرتها – مجرد محاولة للسطو على السلطة في أغلب الأحيان، أما المحاولات الشبيهة في مصر فكانت دومًا تبدو وكأنها محاولة لاسترداد السلطة وتنصيب مصري على عرش الدولة بدلًا من حكام تنوعت جنسياتهم. حاول عرابي تمصير الجيش وجاء عبد الناصر ليزيح أسرة محمد علي الألباني وحتى انقلاب الثالث من يوليو فقد ادعى الكثيرون أنه مجرد تصحيح لوضع خاطئ أتى برئيس لمصر ذي فكر إسلامي لا يمت للقومية المصرية بصلة. ربما يتعلل البعض بكون انقلابات مصر هي أقرب ما تكون فعلًا إلى الثورات فهي تأتي في غالب الأمر بمباركة شعبية كما حدث في حركة عرابي وانقلاب 23 يوليو ومأساة 30 يونيو بل وحتى انقلاب 11 فبراير (شباط) 2011 الناعم، يردد مؤيدو تلك الانقلابات أنها لم تأت لتغتال الديمقراطية المنعدمة أصلًا في حالة أسرة محمد علي ومبارك، أو المشوهة على أفضل الأحوال كما في حالة مرسي، بينما انقلابات تركيا الحديثة منذ أعدم جمال جورسيل رئيس الوزراء التركي عدنان مندريس، مرورًا بوحشية كنعان أيفرين وانتهاء بما حدث أمس كانت كلها خروجًا صارخًا على الديمقراطية وقواعدها. لكن هؤلاء قد تناسوا أنه وبالرغم فعلًا من رسوخ أسس الديمقراطية في تركيا عنها في مصر، إلا أن هذه الديمقراطية لم تستطع أن تصل لما هي عليه الآن هناك إلا بعد أن مرت بحالة مخاض عسيرة ومحاولات عديدة، منها ما فشل بالفعل، حتى استطاع الأتراك أن يعوا الدرس وينخرطوا في عملية يعلمون جيدًا مساوئها، لكنهم بالمقابل يعلمون أن الاستمرار في إدارة هذه العملية هو السبيل الوحيد لتحسينها. في مصر ما زالت الناس تحتاج إلى أن تخوض هذه العملية وأن تجرب حلوها ومرها حتى إذا حانت لحظة انقلاب جديدة انبرى الجميع مدافعين عن حقهم في أن يخطئوا ويعيدوا الكرة دون أن يصبح الجيش وصيًا عليهم وعلى قراراتهم.

هل كان نزول الجماهير التركية أمس إلى الشوارع هو السبب في فشل الانقلاب؟ وهل كان نزول المصريين منذ الثلاثين من يونيو 2013 وعلى مدار ثلاث سنوات غير كاف لمحاكاة ما فعله الأتراك في ست ساعات؟ هل كان أردوغان أكثر حنكة من مرسي في إدارة ساعات ما بعد الانقلاب؟ هل كان بوسع عام رئاسي واحد لمرسي أن يضاهي ثلاثة عشر عامًا لأردوغان؟ هل كان دعم الشرطة التركية وتخلي المصرية عاملًا أساسيًا في اختلاف نتيجة المشهدين؟ الحقيقة أن إجابات هذه الأسئلة هي بالتأكيد جزء من أسباب فشل انقلاب تركيا ونجاح نظيره في مصر، لكن بالرغم من ذلك فلا تزال المقارنة نفسها غير ذات معنى لاختلاف الخلفيات والظروف اختلافًا تامًا. لكن الأكيد في نظري هو أن تركيا نجحت فيما فشلت فيه مصر لأن الأتراك اعتادوا أن يسموا الأفعال بأسمائها الحقيقية حتى وإن فشلوا في التصدي لها، سموا كل انقلاب قام به الجيش انقلابًا، بينما فشل المصريون في كل اختباراتهم لأن تاريخهم لا يحوي كلمة انقلاب. فكيف لمن نعت كل انقلابات الجيش، منذ أن تولى محمد علي قائد الكتيبة العثمانية في مصر ولاية مصر وحتى يومنا هذا، كيف لمن نعتها جميعًا بالثورات أن يعي أن عليه أن يقاومها! ستظل الانقلابات العسكرية قائمة في تركيا ومصر ما دام الطمع باقيًا على وجه الأرض، سيقاوم الأتراك فينجحون تارة ويفشلون تارة أخرى، وسيهب بعض المصريين ممن حباهم الله بنعمة البصيرة ثم ينتصر الانقلاب لأن الملايين يصرون على تسميته ثورة حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا، وحين تذكر كتب التاريخ أن ما فعله الضباط الأحرار كان انقلابًا عسكريًا حينها فقط يصبح بمقدورنا أن نبدأ مقارنات جدية بين البلدين؛ حينها فقط تتغير المعادلة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد