تميزت الدبلوماسية الروسية في الأشهر الماضية بعقلانية وجدية في التعامل مع الأزمات والملفات التي ارتبطت بها طول المدة السابقة، كالملف اليمني، والإيراني، والسوري، والأوكراني، وباتت روسيا تحاول التفكير أكثر في مصالحها الاقتصادية التي تؤمن نفوذًا وانفتاحًا لها على الأطراف الأخرى، بدلًا من التمسك والصراع بأوراق تتعرض للانهيار والسقوط التدريجي.

ربما ابتدأ هذا التفكير الجديد مع بداية عاصفة الحزم العربية، والانهيار السوري، والإصرار الإيراني نحو التفاوض مع أمريكا متسلحًا بالحماية الروسية عندها بدأت الخطوات الروسية تحسب لها الحسابات الدولية.

لقد ترجمها الرئيس فلاديمير بوتين في خطابه المميز في التاسع من أيار/ مايو الحالي في الذكرى السبعين للانتصار على الفاشية، حيث استطاع أن يفصل بين الخلافات الأوروبية والأمريكية على مستوى الملف الأوكراني الذي تلقفته سريعًا الإدارة الأمريكية بإرسالها للوزير “جون كيري” إلى مدينة “سوتشي” الروسية والاجتماع بالرئيس بوتين لمدة أربع ساعات بعد انقطاع دام سنتين، وقد يكون هذا الاجتماع إعلانًا عن بدء انطلاق التسوية للملفات العالقة بالرغم من بطئها لكنها وضعت على الطريق الصحيحة لتكون خارطة طريق قادمة لحل الأزمات المتشعبة.

ابتدأت التسوية من كييف؛ حيث أعلنت أمريكا بشخص مساعدة وزير الخارجية “فيكتوريا نولاند” عن استسلام الرئيس الأوكراني “فيكتور بورشنكو” للشروط الروسية والتي تهدف إلى تطبيق اتفاقات مينسك لحل المشكلة الأوكرانية بعد زيارتها لكييف.

لكن المشكلة تكمن في صدق الأمريكي في التعامل مع هذا الاتفاق لكي يرتاح الروسي من أزمته المالية وصراعه لأجل أوكرانيا للبدء في تسهيل الملفات الأخرى.

1- استطاع الروسي أن يصمد في أوكرانيا بالرغم من كل العقوبات التي فرضت عليه طوال العام الماضي، مما ساعده في استخدام خطابًا جديدًا للتعامل مع الدول الأوروبية والتي أرست إلى تكوين فريق أوروبي خاضع لروسيا مثل اليونان وقبرص والتشيك والمجر، وبهم استطاع إفشال العقوبات القادمة بشهر حزيران/ يونيو القادم على روسيا.

2- استطاع الروس إبرام اتفاقات تجارية واقتصادية مع تركيا وإبعادها طوال الأزمتين السورية والتركية عن المشاكسة داخل الدول الإسلامية الخاضعة للنفوذ الروسي، مما ترتب عليه علاقات جيدة للروسي فعلها في مد أنبوب خط الغاز الجنوبي عبر تركيا.

ولكن اللهفة الإيرانية لإنجاز الصفقة مع أمريكا وقفت روسيا أمام كل هذه التغيرات، أخذت موسكو قرارًا بعدم التصادم مع الدول الخليجية بعد عاصفة الحزم وإصرار دول الخليج على عدم السماح لإيران بالتلاعب والعبث بملفات المنطقة.

وإنما التطورات الدرامية في كل من سوريا والعراق وتمدد الحركة “الداعشية” من جراء الانهيارات السريعة للنظامين السوري والعراقي، والخلافات الداخلية في كلا النظامين والتدخل التركي والعربي المباشر، وضع روسيا في نقطة مرا جعة دورها الجيو- سياسي للحفاظ على مصالحها الاقتصادية والمالية الخاصة وعلى علاقاتها مع الدول العربية والخليجية، إن كان لعدم المواجهة الخاسرة أو للمحافظة على ما تبقى من الأنظمة خوفًا من انهيارها أمام التطرف الإسلامي، وللحفاظ على بقايا الدولة والأقليات وعدم السماح لسيطرة الإرهاب.

لهذه الأسباب جميعها ساعدت روسيا على النظر بجدية للأحداث المرهونة بالموقف الأمريكي وتعاطيه معها بصدق وجدية، لكي تتمكن روسيا من تنفيذ ما تستدعيه الحالة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد