في هذا الوقت من العام – أبريل ومايو – ينشغل أغلب طلاب السنة الأخيرة من الكليات المختلفة بالبحث عن وظائف بعد التخرج، وينشغل العديد من الطلاب الأصغر بالبحث على فرص للتدريبات الصيفية في كبرى الشركات، ومن ثم ترى العديد من نسخ السير الذاتية تكتب وتطبع، ترسل إلكترونيًا أو تسلم يدويًا.
يظن الكثير أن سيرة ذاتية منظمة ومصممة جيدًا، تحتوي على العديد من الخبرات السابقة والدورات التدريبية هي الطريق للوصول، هي مفتاح الوظيفة الجيدة، وأمل كل من يفتقر إلى «الوسائط».

ولكن هل السيرة الذاتية هي بالأمر المهم حقًا؟ بالطبع لا. قد يكون لها أهمية ولكنها ليست بالقدر الذي تظن، على الأقل مستقبلًا. فالسيرة الذاتية هي ورقة تلخص خبراتك ومهاراتك في الحياة التي تؤهلك للعمل. ولكن هل كل تجاربك الحياتية قابلة للتوثيق في تلك الورقة؟ هل يمكنك أن تسجل أفكارك الإبداعية في سيرتك الذاتية؟ هل يمكن أن تكتب قائمة الكتب التي قرأتها وإن كانت مئات وآلافًا؟ هل مضارب البورصة الذي لا يعمل بأي شيء غير البورصة يحتاج إلى سيرة ذاتية قوية للنجاح ماليًا؟ هل مارك زوكربيرج كان في حاجة لسيرة ذاتية مليئة بالمهارات والتدريبات والخبرات السابقة ليؤسس «فيسبوك»؟

لمزيد من التوضيح، عُرِف العصر الماضي بالعصر الصناعي ولكن هذا العصر على وشك الانتهاء والآن نحن في بداية عصر جديد هو عصر الاتصال.

العصر الصناعي

الريادة في هذا العصر كانت قائمة على التصنيع والبيع أيًا كان ما تصنع، فكلمة (مصنع) لا تشير إلى المصانع فقط، ولكن المقصود بها أي منظمة تقدم منتجًا أو خدمة كالجرائد ومصانع الملابس والمدارس وشركات التأمين… إلخ.

وبناءً عليه، يهتم صاحب المصنع بالحصول على أكثر عمالة احترافية بأقل أجر ممكن لزيادة ربحه الخاص، يتم قياس هذه الاحترافية من خلال خبرات العامل السابقة ومهاراته الحالية التي يتقنها ليرى إن كانت ستمكنه بتأدية العمل المطلوب أم لا. ويتم هذا الأمر عن طريق تقييم الشخص من سيرتة الذاتية والمقابلة الشخصية. وبالفعل معظم الشركات والمصانع والمنظمات تسير بهذا النهج في الإدارة والتوظيف، فما المشكلة؟

المشكلة أن العصر الصناعي رغم وجوده إلا أنه على وشك الانتهاء، لهذا تسقط العديد من الشركات عند حدوث أي أزمة اقتصادية ما عدا شركات التكنولوجيا نظرًا لأنه عصرها الخاص نشأت منه وله.

ونعلم جميعًا أن الشركات التي تقود العالم هي الشركات الجديدة والتي تسير على نهج مختلف تمامًا في الإدارة والتوظيف مثل جوجل وفيسبوك، وعالم الشركات الناشئة ككل، هذا النهج أدى إلى بداية عصر جديد هو عصر الاتصال!

عصر الاتصال

يتعدى الأمر في عصر الاتصال فكرة التصنيع والبيع، ويصل إلى فكر جديد وهو فكر حدوث تواصل فعال بين الموظفين ومنظمتهم، بين المنظمة وعملائها، يعتمد هذا الاتصال على وجود اهتمامات وأفكار مشتركة بين كل الأطراف؛ فمهما اختلفت الشركة مع عميلها، فلن يشتكي العميل منها، ومهما اختلف الموظف مع منظمته فلن يتركها.

إذا كان الأمر سيتغير هكذا، فكيف ستصبح عملية التوظيف، وإذا أردت أن يصبح لك مكان في صناعات المستقبل وليس الصناعات التقليدية، كيف يمكنك التجهيز للأمر؟

ستسير وتقوم بتطوير نفسك في ثلاثة مستويات مختلفة.

1- المستوى الفكري

هذا المستوى خاص بأفكارك الخاصة وفكرك المستقل عن تخصصك. عليك أن تحدد ما هي رسالتك في الحياة، وتختار تخصصًا يناسب رسالتك، تعلم أهميته، وكيف يتطور بمرور الزمن، ماذا لو اختفى هذا التخصص، كيف سيصبح العالم، وكيف ستتعامل معه وما بدائله، لن يصقل فكرك ولن تطور أفكارك بدون القراءة والملاحظة المستمرة، عليك قراءة أمهات الكتب في مجالك، وغير مجالك كي تستطيع تكوين وجهة نظر خاصة بك.
إذا كنت تمتهن مجال تصميم الجرافيك، فعليك القراءة في سيكولوجية الألوان، والتأثير البصري، وكيفية نشر الأفكار، والفنون البصرية وما إلى ذلك، وعليك بالملاحظة المستمرة، لا تترك تصميمًا أو إعلانًا أو أي قطعة فنية بدون محاولة تحليلها والنظر لها بعمق أكثر من مجرد مشاهد، هكذا سيتطور فكرك بالقراءة والملاحظة والتفكير التحليلي.

2- المستوى المهاري – العلمي

هذا الجزء ينحصر فيه معظم الناس، وينصب عليه تركيز أغلب مديري الموارد البشرية بالفكر الصناعي القديم. لا يجب عليك إهماله ولكن عليك العلم بأنه أداة لتنفيذ الفكر، يجب من تطويرك لمهاراتك ومعرفتك العلمية، وتطوير لعلاقاتك المهنية تطوير معرفتك العلمية ستتم عن طريق البحث والتعلم والقراءة.

قم بتحويل هذه المعرفة النظرية إلى مهارات ملموسة وقم بتطويرها بالممارسة والتدريب بمساعدة الدورات التدريبية وورش العمل. وتطوير علاقاتك المهنية هو جزء لا يجب عليك نسيانه، حاول التواصل مع كبار المتخصصين والرواد الجدد في مجالك باستمرار للتعلم منهم وللحصول على فرص العمل معهم. فمثلًا شركة مثل جوجل لا توظف أحدًا بدون وجود شبكة علاقات له داخل الشركة، فالعلاقات أصبحت أقوى طرق التوظيف الآن، وتعتبر العلاقات المهنية بمثابة «واسطة مشروعة ناتجة من مجهودك الشخصي».

3- المستوى التنفيذي

أنت قمت بتطوير فكرك الخاص، وتطوير مهاراتك ومعرفتك العلمية، الآن عليك تحويل فكرك إلى شيء ملموس عن طريق تلك المهارات، قم بخلق وعمل شيء جديد، شيء لا يمكن لغيرك القيام به وله تأثير يحقق رسالتك ورسالة تخصصك الأولى. هنا أنت تقوم بعمل نموذج أعمال خاص بك يميزك عن غيرك.

إذا كنت مصممًا مبدعًا أو كاتبًا أو مسوقًا أو مهندسًا أو أيًا كان، لست في حاجة لسيرة ذاتية مليئة بالإنجازات، فقط نموذج واحد لأعمالك التي لن يستطيع أحد القيام بها غيرك، سيفي بالغرض.

إذا أردت المساهمة في صناعة المستقبل فلا تكتب سيرتك الذاتية، بل اخلق نماذج لأعمالك، لا تُضِف سنوات إلى سيرتك الذاتية، بل أضف فكرًا إلى أعمالك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

CV, Future, Recruitment
عرض التعليقات
تحميل المزيد