الموت أصبح مؤخرًا بمثابة قريب لنا، كنا نحسبه في الماضي يسكن في مكان بعيد، ولكن الآن هو الجار المشترك بين سكان الخليج وسكان المحيط، في طفولتي لم أعتد أن أسمع صوت المؤذن في غير الأذان، الآن أسمعه يصيح في الناس كل يوم «يا عباد الله وحدوا الله» أكثر من «الله أكبر الله أكبر».

على أي حال الموت ليس شيئًا جديدًا على الجنس البشري، هو أقدم عادة أثرت في هذا النوع من الكائنات، دفعنا في بداية نشأتنا إلى معرفة كيف ندفن الموتى، وفيما بعد علمنا عن طريقه الكثير من الأشياء، علم العلماء تراب الماس عن طريق موتى المناجم، أما عن طريق موتى حقول البترول علمنا بعض خواص غاز «H2S». في نبش قبور الموتى حكايات كثيرة أيضًا، علم الإنسان منها بعض الحقائق حول تعفن الجسد، أي باختصار الموت هو أقدم معلم للبشر.

أما في عصرنا الحالي، الموت لم يعجز أبدًا عن تقديم المساعدات، وقف الموت على الساحل التركي من بحر إيجة، كان وقتها يعلم حيرة عائلة متسللة منه ولا تعلم أنها تلجأ إليه، كان الأب يسأل: هل سينجح في العبور من الموت؟! ترك خلفه ساحلًا كان يعج بصنوف كثيرة منه، ولكن على مقربة من الساحل الآخر، اشتد الموج، ليقدم السيد الكريم –الموت- مساعدة لتلك العائلة السورية، ويقدم على الشاطئ الإجابات للأب المسكين الذي احتار طوال السفر، إيلان وغالب وريحانة على الشاطئ.. موتى.

وفي الساحل الذي هربت منه تلك العائلة فيما بعد، كان يقوم الموت بعمله اليومي في قبض أرواح الضحايا، أصوات الطائرات تنبه بأنه يجب أن يتحرك أو يجب أن يسكن، لم ينتبه بأن عمرانًا كان يراقبه في ذهول كل يوم، وجد عمران الدور من حوله تحصد حصدًا، البيوت وبقايا البيوت، وفي بعض الأحيان كان يرى بقايا جيرانه، واستمر ذهوله حتى يوم الفاجعة التي جعلت من بيته بقايا بيت، وكانت الدماء تنزف على وجهه ولكنه لم يكترث كثيرًا، كانت الخمس سنوات التي في أوراقه الرسمية لا تكفي كي لا يدرك ما يدور حوله، وقد نتج عن القصف وفاة أخيه عمر، كانت كل تلك أسباب لكي يصبح الطفل في ذهول، لقد ولد تقريبًا في وقت كان الجميع فيه يموت، أتم عامه الأول في عام 2012 وقت كانت الأزمة أخذت تجليها، نطق أول كلماته بينما كان الجميع يركض، وتعلم الركض لكي ينجو لا لكي يلعب كرة القدم أو مع أبناء الجيران.

الموت كان يعلم أبناء مصر المصابين بالسرطان أن الحكومة لا تعمل من أجلهم، بعد شراء صفقة القمح المسرطن من أوكرانيا، علم الموت بواسطة عبارة السلام أن لا قيمة معينة لحياة المصريين، وأثبت بنك الرافدين وغيره من البنوك المماثلة في عصر الرئيس الأسبق حسني مبارك أن المصريين سيعانون من السخرة في أي أرض يوم أن أتيت إلينا النعوش الطائرة، الموت في بلادنا أبُ عظيم.

الموت حينما كان وسيلة القذافي في إخماد الثورة الليبية، كان يحرك كل مؤيديه لكي يعلموا قيمتهم، وكان أثناء أزماتهم الحالية كل يوم يعلم الشباب مدى اهتمام الطامعين في النفوذ بهم، ويعلم الإنسان أن لا قيمة لأي شيء إذا وضع الرمل في أذنيه واتجهت يداه إلى الرشاش.

الموت في اليمن كان واضحًا يوم كان ينادي في الناس بأن البطل القومي الحاكم في الواقع يستعد بكل الوسائل لكي يعود حاكمًا، وقد كان قبلها يحاول قتل أي طائر في السماء لا يسبح بحمد الرئيس، ولا يطلب أن يطيل الله مدة حكمه، وهو الذي يسعى أكثر من الشعب في وجود أي وسيلة للحوار.

الموت باختصار بين أزمة سوريا وليبيا والعراق واليمن ومصر وفي أي مكان آخر، قد علم العرب أن لا منفعة من البقاء صامتين، لن ينفعنا أن نكون حلفاء للأبد، الحرية هي السبيل الوحيد للنجاة من كل هذا، كل محاولة للخروج من الأراضي العربية إلى أي مكان آخر لن يحل أي مشكلة، سنحمل ما تعلمناه في تلك الأراضي معنا، وسنكون نحن نكبة البلاد الأخرى، ولن يقبلنا أحد بكل تلك العيوب.

الموت كان يسكن أسئلة إيلان حول لماذا يكرهني العالم قبل أن أُولد؟ وقد أوقف لسان عمران يوم ود أن يسأل: لماذا كل هذا؟ نحن في الحقيقة فداء لجنون العظمة الذي يصيب كل حاكم، وزير، مستشار، وكيل وزارة، محافظ، أمين شرطة، ولكن هذين الطفلين لم تسمح لهما الحياة بأن يدركا كل تلك المسميات، رحم الموت أحدهما وجعله لا يدرك مثل تلك الأشياء، أما الآخر قد يرحمه الجنون إذا استمر الوضع على ما هو عليه.

الموت هو تجسيد احتياجنا للتغير، كنا نموت طوال ثلاثين عامًا من حكم حسني مبارك، بفيروس سي دون أن ندري، وبانتشار الأمراض السرطانية بيننا، والملل حينما لا نجد أي وظيفة، وبالاكتئاب حينما تموت أحلامنا بتقدم أعمارنا، ولكن بعد الربيع العربي بدا الموت أكثر لسببين واضحين: الأول هو عبادة الحُكام للحكم، والثاني هو أن لم يعد لدينا سبب معين لكي نبقى صامتين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد