تتواصل المعارك في مختلف الجبهات الوطنية على وتيرة متسارعة، تشتد في بعض المحافظات، بينما تخف في محافظات أخرى بناء على الدعم الذي تجده المقاومة من بيئتها، أو بالتعاون مع التغطية الجوية لقوات التحالف، من بين كل تلك المشاهد يأتي مشهد تعز بأسئلته الكبيرة التي تبحث عن إجابات مقنعة، لماذا لم يتم حسم معارك تعز على غرار ما حدث في عدن؟

ما يحدث في تعز في حقيقة الأمر هو ملخص لما يحدث في اليمن ككل، إذ إن المعارك الكبيرة التي تحدث خارج أسوار الوطن، تلقي بظلالها الثقيلة على تلك الحرب التي تدور رحاها في مختلف المناطق اليمنية، لكن تشير كثير من الآراء إلى أن الحسم الذي طال انتظاره في تعز يرتبط بشكل أساسي بالتخوف الخليجي من التيار الإسلامي المعتدل، الذي اعتبر بمثابة الخطر الحقيقي على المشاريع الملكية القائمة في دول الخليج.

لكن المزاج الخليجي، ليس هو السبب الرئيس في تأخر ذلك الحزم، بل إن ثمة عوامل أخرى تؤثر بشكل ضليع في المشهد اليمني، ترتبط العوامل الداخلية بالجانب الشرعي الضعيف الذي تمثله الحكومة المؤقتة، فهادي، الذي ثبت تورطه سابقا في تمكين الحوثي من عمران وأرحب ونهم، ينظر إليه بعين الشك والريبة، ليس من قبل الرعاة الخليجية وحسب، بل حتى من قبل الأطراف السياسية اليمنية التي تقف في صفه مضطرة؛ كونه يمثل الورقة الأخيرة لبقاء النظام الجمهوري، الذي يحاول الحوثي – حاليا – إسقاطه بدعوى الحق الإلهي، من ناحية أخرى يلعب غياب التوافق في الصف الداخلي اليمني دورا رئيسا في تشتت القوى، والسبب الرئيس في تشتت الصف الداخلي، هو تشتت أهداف الأحزاب والقوى التي تقدم رؤيتها الإيديولوجية أو الحزبية على مصالحة الوطن، وبالتالي يصبح التشتت سمة أساسية لمختلف تلك القوى السياسية والعسكرية في الظروف الحربية الحالية.

لا يمكننا أن نغفل سياسة علي صالح (الرقص على رؤوس الثعابين) والتي أنتجت لنا هذا القدر من الدمار الذي نراه في اليمن، فالرقص الذي احترفه علي صالح في بداية حكمه خلق شروخا في البنية الاجتماعية اليمنية والسياسية والاقتصادية، ونتيجة لتلك الشروخ أصبحت كل المكونات السياسية والاجتماعية تتصرف بطريقة أو بأخرى وفق السياسة اللئيمة التي انتهجها علي صالح، وبالتالي حتى بعد سقوطه استمر الأداء الفاسد والمقنع بالاستمرار لسببين:

الدولة العميقة التي بناها خلال فترة حكمه، والأداء السياسي السلبي الذي قامت به أطراف الثورة، كما لعب الجهل المتفشي في أوساط المجتمع على لعبة الحلقة الأخيرة ليكتمل المشهد المدمر في الحرب الحالية.

العوامل الخارجية في حقيقة الأمر لا ترتبط بالأمن الخليجي وحسب، بل ترتبط بشكل أساسي بالأمن الدولي، وفق نظرية(توازن التهديد) لستيفن والت ينبغي على الدول أن تتنبه للتهديدات، وليس لقوى؛ حتى تحافظ على أمنها، بمعنى أن الخطر ليس بالضرورة أن يأتي من الدول القوية التي تمتلك السلاح النووي أو ما شابه، بل على العكس قد تكون الدول الضعيفة التي لا تمتلك السلاح، بل تستورده، مصدر تهديد حقيقي لأمن تلك الدول، تنطبق هذه القاعدة بشكل كبير على المشهد اليمني، فاليمن المطل على باب المندب يمثل تهديدا حقيقيا، ليس على مستوى المنطقة وحسب، بل على مستوى العالم، خصوصا بعد سقوط معسكرات في مناطق جنوبية في يد القاعدة التي تعتبر ضمن أكبر مصادر الإرهاب الدولي وفق تقييم الولايات المتحدة.

العوامل الخارجية أيضا ترتبط كما أشرنا سابقا بالدور الخليجي المتمثل بقوات التحالف، والتي تعتبر بمثابة سلاح ذي حدين بالنسبة لليمنيين، إذ إن التحالف الذي يهدف بشكل أساسي إلى قصقصة الأظافر الإيرانية في المنطقة، يهدف في نفس الوقت إلى أن تؤول الأمور إلى حاكم مهذب وسلبي كشأن المنتقم الصغير (علي صالح)، لذا فمن خلال متابعة المعارك التي تدور في مختلف المناطق اليمنية يمكننا أن نرى حجم التلكؤ والتردد في دعم هذا الفصيل أو ذاك، في الحسم في هذه المحافظة، وتناسي تلك، كما أن الصف الخليجي نفسه ليس متفقا، على ما يبدو، إذ إن الإمارات، وهي أحد قوات التحالف، لا زالت تعلن العداء بشكل واضح لكل الدول التي خرج منها الربيع العربي، كما أنها لا زالت تحاول أن تلعب بطريقتها: أخذ أكثر من بيضة، ومن أكثر من سلة في اليمن! على عكس عمان التي كان موقفها السلبي في المنطقة واضحا، وبوجود أكثر من مخترق للصف في نفس الصف لا يبدو أن المعركة ستصل إلى أي نهاية.

في المشهد المقابل تبدو إيران، وهي تعد بيضها الذي جنته من اضطرابات المنطقة، ووفق خبراء سياسيين، تعتبر إيران المستفيد الأساسي من الصراعات التي تحدث في المنطقة، فمالكي إيران في حقيقة الأمر ليس سوى فزاعة إيرانية، بينما المشهد اللبناني والسوري يعتبران في سلة العم الحكيم منذ زمن، لكن البيضة الجديدة لا زالت تتدحرج من يده، ومن يدري لعلها تسقط هذه المرة، لكن ليس بالضرورة أن تسقط في السلة العربية، ربما تسقط في السلة الإيرانية التي يبدو أنها بدأت تجهز نفسها أكثر للاحتفال الأخير بجني البيضات الذهبية في المنطقة، ويشير خبراء إلى أن السياسية السعودية لتركيع إيران بخفض سعر النفط لن تجدي لفترة طويلة، ولذا ينبغي التنبه للسياسة جديدة، سياسة توحد الصف بصرامتها لا مداهنتها، وليس بالضرورة أن تكون دولة واحدة هي من يقوم بهذا الدور، بل ربما أكثر من دولة إذا ما صدقت النوايا وتوحدت الأهداف.

وأمام هذا المشهد المتشابك بالعوامل الداخلية والخارجية، وتلك التي لم تدخل في الصورة بعد تنتظر اليمن مصيرها على يد الغريب؛ لأن القريب مشغول بتصفية حسابات الأمس، مشغول بالبحث عن مجد انتهى زمنه، ومشغول بالدفاع عن قضية جانبية، لكن في نفس المشهد لا زال هناك من يحمل القضية الأولى التي ضحى اليمنيون لأجلها بدمائهم، قضية الزبيري ونعمان والثلايا، قضية الجمهورية والتخلص من العبودية، العبودية التي يحاول الآخرون فرضها عليهم بالقوة، من أجل أمن الجوار، من أجل أمن العالم، ومن أجل دعم الأقليات، ستتعدد العناوين، لكن العبودية تبقى نفسها، أحملها ملك، أو إمام، أو رئيس جمهوري مزيف، أو حكومات دولية متمصلحة، لذا على اليمنين الذين قالوا لا في 1948م، وقالوا لا في 1962م، وقالوا لا في 1972م، وقالوا لا في 2011م أن يقولوا لا أيضاً هذه المرة، وعندها ربما يأتي الحسم في تعز.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد