الثورة الفلسطينية.. بين فكي الأسد

يبدو أن معاناة الثورة الفلسطينية لم تنته بخروجها من لبنان، وتشتت مقاتليها في عدد من الدول العربية، بعد الغزو الإسرائيلي للبنان في الأول من يونيو (حزيران) عام 1982، إذ سعت الدول العربية المستضيفة إلى لي ذراع الثورة الفلسطينية، ومصادرة قرارها السياسي والعسكري، وجعل الثورة الفلسطينية ورقة مساومة، وهذا ما رفضته قيادة الثورة الفلسطينية ممثلة في ياسر عرفات، مما أدخلها في أتون صراع مباشر مع الأنظمة العربية، ومنها النظام السوري بقيادة حافظ الأسد.

لم يكن غريبًا عدم وجود الأسد بين الزعماء العرب أثناء استقبالهم لياسر عرفات في مطار فاس قبيل القمة العربية، فقد وصلت العلاقة بين الرجلين إلى طريق مسدود، حينما اتهم ياسر عرفات الأسد علنًا بالتخاذل عن دعم الثورة الفلسطينية أثناء حصار بيروت، وعليه تحاشى الأسد لقاء ياسر عرفات بقمة فاس في 6 سبتمبر (أيلول) عام 1982.

حينما غادر الأسد قمة فاس بصحبة عدد من قيادات الثورة الفلسطينية المعترضين على نهج ياسر عرفات، وضع نصب عينيه وقتها السيطرة على القرار السياسي والعسكري للثورة الفلسطينية، فبدأ بالعمل على شق الصف الفلسطيني، مستغلاً غضب عدد لا بأس به من قيادات الثورة الفلسطينية منهم؛ العقيد أبو موسى، وأبو خالد العملة، وغيرهم من تفرد ياسر عرفات بالقرار الفلسطيني، إضافة لتوجهاته لحل السلمي للقضية الفلسطينية.

وقد سعت هذه المجموعة بدعم شخصي من الأسد، لمصادرة القرار السياسي والعسكري للثورة الفلسطينية من ياسر عرفات، وعليه سيطرت هذه المجموعة على عدد من الكتائب والقوات الفلسطينية الموجودة في شمال لبنان، فجاء رد ياسر عرفات بفصل وإبعاد عدد من تلك القيادة، مما زاد الطين بلة رفض هذه المجموعة لقرارات ياسر عرفات واللجنة المركزية لحركة فتح، وبدعم من الأسد وقواته الموجودة في شمال لبنان، تمكنوا من السيطرة على عدد من الكتائب الفلسطينية، مما أدى لانقسام الثورة الفلسطينية ما بين مؤيد لياسر عرفات ومعارض له.

ومع تطور الأزمة سعى عدد من قيادات الثورة الفلسطينية للملمة الأحداث قبل خروجها عن السيطرة، وفي لقاء جمع كلًّا من خليل الوزير (أبو جهاد)، وعبد الحليم خدام وزير الخارجية السوري، والمسؤول عن الملف الفلسطيني واللبناني، بهدف وصول إلى اتفاق يرضي الأطراف المتصارعة، صرح عبد الحليم خدام لخليل الوزير (أبو جهاد) قائلًا: «إذا كنتم ترغبون في حل مشاكلكم الداخلية، فيجب أن تتقيدوا بسياساتنا، تصادقون أصدقاءنا، وتعادون أعداءنا».

وعلى أثر خروج الأزمة عن السيطرة، وعدم التوصل لاتفاق ينهي الأحداث الجارية، خشية ياسر عرفات من فقدان السيطرة على قواته في لبنان؛ لذلك عاد من جديد إلى لبنان متنكرًا بزي رجل دين جزائري عن طريق ميناء طرابلس، وقد عد الأسد عودة ياسر عرفات مرة أخرى للبنان بمثابة تحدٍ شخصي له، وعلى أثرها حشد الأسد لواءين من القوات الخاصة، إضافة إلى ما يقارب 5 آلاف من القوات الفلسطينية المؤيدة له، ووضعها جميعًا تحت إمرة غرفة عمليات مشتركة ترأسها قائد القوات السورية في شمال لبنان وقتها سليمان العيسى.

وقد قامت القوات السورية مدعومة بالقوات الفلسطينية بمهاجمة مخيم نهر البرد، وبعد معارك عنيفة تمكنت القوات السورية من طرد القوات المحسوبة على ياسر عرفات من المخيم في 6- 16 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1938، مما دفع قوات ياسر عرفات للانسحاب والتجمع في مدينة طرابلس، والإعداد للمعركة القادمة.

وفي 15 نوفمبر عام 1983، طوقت القوات السورية مدينة طرابلس وقصفتها بعنف، مما أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من سكان طرابلس، إضافة لقطع التيار الكهربائي عن المدينة، وتدمير ثلاث سفن في مينائها من جراء القصف السوري برًّا وبحرًا وجوًّا، ومع اشتداد المعارك في طرابلس دفع ياسر عرفات بكل قواته إلى المعركة، وأشرف عليها إشرافًا مباشرًا.

وبسبب إصرار الأسد على طرد ياسر عرفات وقواته من طرابلس، إضافة لاشتداد القصف وتخاذل الأطراف الفلسطينية والعربية والدولية عن تقديم اللازم لدعم صموده، وافق ياسر عرفات في النهاية على الخروج من طرابلس، بعد الحصول على ضمانات عربية وأمريكية بعدم التعرض له أثناء خروج من طرابلس.

وعليه ففي 17 ديسمبر (كانون الأول) غادر ياسر عرفات طرابلس، برفقة 4700 مقاتل وعشرات الجرحى، على متن سفينة يونانية، وبحماية البحرية الفرنسية نحو اليمن، والسودان، والجزائر، وقد عرف هذا الخروج بالخروج الثاني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد