التعلّق بالناس شيء غريب نعيشه كل يوم. أتذكر يوم أن ذهبت إلى مكان عملي الجديد، وجدت نفسي غريبًا وسط أشخاص ومكاتب لا أعرفها، وبمرور الوقت أخذت العشرة تدبّ بيننا وتوطدت العلاقات حتى صرنا أصدقاء وأحباب نخشى الفراق. والمكاتب التي كانت لا تعرفنا ولا نعرفها صارت مألوفة ومشتاقة لنا، حتى الجدران أصبحت تنظر إلينا بأسى وحزن خوفًا من رحيلنا.

فلتقارن بين أول يوم لك في العمل وبين اليوم الذي قررت فيه الرحيل، شتان بين كليهما، فمشاعرك تغيرّت وتعلّقت بالأشخاص وبالأشياء، ولم يعد يهون عليك فراقهم، فحالك يذكرّني بحال صديقتي التي رحلت عنا منذ أيام قليلة ماضية، كانت تنهمر الدموع منها ومنا حزنًا على فراقنا، وإذا بآخرين يتساءلون في دهشة واستغراب، لماذا تبكي هند؟!!

ورغم صعوبة الرحيل إلا أنك مضطر، فالمصلحة تحكم، ومستقبلك أصبح في مكان آخر، فعليك أن تغادر ذلك المكان الذي أحببته بكل تفاصيله الصغيرة لكي تذهب إلى مكان آخر لا تعرف فيه أحدًا ولا تألف فيه شيئًا. مصير مجهول ومستقبل غير واضح ولكن يجب أن تذهب كي يمر الحاضر ويأتيك المستقبل، وحينما يأتي المستقبل تعيشه فيصبح حاضرك وسرعان ما يمر ويصبح ماضي تتحسر عليه وتشتاق إليه كما فعلت أول مرة مع أول عمل لك ومع أول مكتب جلست عليه ومع أول صحبة شاركتك الطعام والشراب والمزاح والعمل واللعب والشجار و… وهكذا تمر الأيام دول، فما عشناه وكان حاضرًا رحل عنا وأصبح ماضيًا، وما كنا ننتظره في المستقبل قد أتى وأصبح حاضرًا، ومن شأن هذا الحاضر أن يذهب عنا لينضم إلى اليوم الماضي والذكريات، ونظل هكذا حيارى بين ماضي وحاضر ومستقبل، كل واحد منهم يلقي بنا نحو الآخر وكأننا كرة يلعبون بها.

فلتتذكر حينما كان أول يوم عمل لك، ربما كان آخر يوم لشخص آخر، وحينما كنت تشعر أنت بالملل وسط هؤلاء الذين لا تعرفهم، كان هذا الشخص يبكي لفراق أحبابه ومكتبه، شتان بينك وبينه، ولكن سبحان من غيرّ أحوالك وجعلك مثله وربما أكثر، تعلقت بالمكان وبأهله ولم تعد الآن قادرًا على تحمل فراقهم رغم أنك كنت تعرف جيدًا أن هذا اليوم آتٍ قريبًا جدًّا، ولكنك لم تشغل فكرك بالأمر لأنه يثير بداخلك الحزن، فقط كنت تريد أن تستمتع بتلك اللحظات الجميلة التي مرت سريعًا كلمح البصر.

ولكن السؤال الذي يفرض نفسه، هل كانت تبالغ هند حينما بكت على فراق أصدقائها ومكتبها، أم أنه شعور إنساني طبيعي؟ وهل كان حقًّا لها أن ترحل، تاركةً لنا تلك الطيور التي اعتادت كل يوم إطعامها؟ الأمر يختلف، فالفراق في حد ذاته واحد ولكن لوعة الفراق ليست واحدة، فهناك من يتعامل مع الأمر بسلاسة، وهناك من ينفعل بكل عواطفه ويندب الأيام ويتمنى أن تعود.

فإذا كنت ممن يتعاملون مع الأمر بسلاسة، فليس عندك أي مشكلة ولا تحتاج إلى أن تستمر في قراءة المقال، لأن حتى المشكلة بالنسبة لك سوف تمر بسلاسة، أما إذا كنت من ضمن هؤلاء الذين لا يتحملون الفراق، فمشكلتك كبيرة وليس لها عندي حل محدد ( لذا أنصحك أنت أيضًا بألا تقرأ المقال).

طالما أنت مصمم على الاستمرار في القراءة، فلك أن تدرك حجم مشكلتك، فمشكلتك تكمن في عدم قدرتك على قبول فكرة الفراق والتعايش معها بسلاسة. وأنا حقًّا أعترف أنني من هذا النوع، إذن ماذا أفعل في نفسي؟

 ربما من الجيد أن تقرأ كتاب قوة اللحظة “The power of now“، الذي نجح جدًّا في تناول هذه النقطة، حيث يؤكد المؤلف على أهمية أن تعيش الحاضر بكل تفاصيله الجميلة وكل تجلياته الحزينة خاصة أنك لا تضمن أن يستمر هذا الحاضر الجميل في المستقبل، فأنت لا تعرف حتى ما هو المستقبل، وهل هناك مستقبل من الأساس أم لا؟

لن أنصحك متكلمًا بصوت أجش  قائلًا: “لا تحزن” أو “لا تبكِ” ولا أطلب منك أن تجرد نفسك من المشاعر وتكون مثل الصنم لأني على يقين أن هذه المشاعر غالية وأن الشعور الإنساني في حد ذاته كنز أنت تملكه في حين يفتقده آخرون.

ولكن سأنصحك بأن تعيش اللحظة بكل ما فيها من أفراح وأحزان، فحتى الحزن من حقك أن تعيشه لأنه شعور إنساني بحت، ولكن لا تجعل الحزن يطوي صفحات حياتك وينسيك الفرح الذي يطيل من عمرك، فبدلًا من أن تحيا حياة واحدة، فلك أن تحيا مائة حياة بمائة فرحة ومائة دمعة، فلا مانع أبدًا من أن تبكي، ولا مانع أبدًا من أن يرى الكون دموعك، ولكن اجعل من الدموع وقودًا يعمل به قلبك كي ينبض بالحياة ويدرك معنى الفرحة. وإياك أن تكن مثل هؤلاء الذين ماتت قلوبهم فلم يعد يفرق معهم حزن أو فرح، فقد ساءت أحوال قلوبهم لدرجة أنها لم تعد تميز بين طعم الحزن المرّ وطعم الفرح الحلو، فكلاهما سواء.

فالشعور نعمة كبيرة، أنعم الله بها عليك وحرمها آخرين، فلا تفقدها وإلا فقدت إنسانيتك. وكم جميلًا أن تبكي بصدق وتضحك بصوت، إذن أنت ما زلت إنسانًا.

أظنكم عرفتم الآن، لماذا بكت هند؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد