الأماكن الضيقة لا تصنع إلا أفقًا ضيقًا.

لا نعرف الكنائس ولا يعرفنا النصارى، القرية على امتداد زمانها ونشأتها لم يسكنها نصرانيٌ واحد، مما جعل كلمة «نصراني» في قاموسنا اليومي سُبة وعيبًا يشين صاحبه.

الموت هو الشيء الغريب الوحيد الذي ربما تطول زيارته من حين لآخر، متمتعًا بمكانة رفيعة، حيث تحتل «المقابر» وسط القرية بالضبط وبفخر شديد من أهلها.

هواء القرية الجاف لا يتخلله سوى صوت الأذان والأطفال والعجائز والأمهات والحيوانات ولاعبي كرة القدم من الشباب واصطدام عجلات السيارات الكارو والحديثة بالأسفلت، في مقدمتهم القرآن الكريم عن طلعة كل صباح ينبئ عن استيقاظ الجميع.

على عكس كثرة هذه الأصوات، تأتي قلة تنوع أفكار قاطني القرية، فجميعهم عن بكرة أبيهم متدينون بالوراثة أو بالاكتساب عن طريق الانضمام لجماعة دينية واحدة مسيطرة «جماعة الإخوان المسلمين»، التي لا يمر شاب بفترة المراهقة ويبدو عليه النبوغ والتميز دون الدخول والانضمام لأفراد تلك الجماعة. من هنا جاءت شهرتهم «بقرية العلم والقرآن».

يظل الشيء الوحيد الذي يتفاخر به أهل تلك القرية، أنه لا يدخلها ويقيم فيها مسيحي واحد، وإلا صحبته لعنات ومطاردات صاحب المقام والبركات «الشيخ أبو لابد». فهم يتندرون دائمًا بتلك الحكاية: ذات ليلة داعب مخيلة أحد المسيحيين أن يقيم ليلة واحدة في مقر عمله بالقرية، فزاره صاحب المقام المذكور وطرده في نفس الليلة، ففر هاربًا ولم يعد مرة أخرى.

من هنا جاءت المفاخرة بتلك المزية التي يعلو بها الأهالي على غيرهم من دون القرى المجاورة، وبركة وسلطان للشيخ أبو لابد، بالإضافة إلى اعتقادهم في شفاء الأطفال من الأمراض والمس «الرجفة» والحسد.

كما زادوا عليها بأن بنات المسيحيين ونساءهم يتعمدن ارتداء الملابس المكشوفة والعارية طوال شهر رمضان، لإغواء المسلمين بالإفطار أثناء النهار، وكانوا يحذرون من يقربهم في الصلة إلى عدم تناول طعام المسيحي بحجة الحرمانية وأن المسيحيين قد يضعون فيه الخمر أو البيرة المحرمة.

أما التعاملات الإنسانية اليومية، فجاءت النصيحة بأن المسلم يعطي المسيحي لكنه لا يأخذ منه ولو حتى القليل، من باب التكبر والمن والخير. أما التهنئة في الأعياد فهي لم تكن مطروحة من الأساس، لا نقاش على أنها محرمة، بجانب سخرية الشباب المسلمين من شباب المسيحيين في أعيادهم التي لا تكون على نفس مستوى الازدحام والاهتمام من الجميع مثل أعياد الفطر والأضحى. كما أنه لم يعتد أي منهم المشاركة في أي مظهر من مظاهر تلك الأعياد.

كما تفنن الجميع كغيرهم في نقل الحكايات التي تثبت أن النصارى تخرج منهم رائحة كريهة بسبب الماء المبارك الذي يحصلون عليه من «القسيس» وبقائهم مدة طويلة بدون استحمام طمعًا في الحصول على مرتبة إيمانية أعلى بالكنيسة فكان المثل الشائع «كلما زادت رائحتك الكريهة، كان إيمانك أقوى». بالإضافة إلى حكاية تقبيل الرجال للنساء خلسة ليلة الاحتفال بعيد ميلاد رأس السنة.

من العجيب أن تلك الجماعة لم تتعرض لحل تلك المعضلة أبدًا! لعل ما يثبت الحكاية والعقدة في النفوس هو تكرارها.

من المرات القليلة النادرة التي لم نرَ فيها «أبونا مرقص» جالسًا على ناصية آخر الشارع الذي نعبر منه للمدرسة الثانوية التي نذهب إليها بأحد المراكز المجاورة لقريتنا. ومن الغريب أن هدوءه وقلة حركته وصوته الخشن المنخفض، كانوا سببًا في اغتيال المارة لشخصه، فيتعرض طوال النهار للكثير من المضايقات التي يحيكها طلاب المدرسة من المسلمين، يتسلل أحدهم في هدوء ورقة ليسلم عليه، فيمد الرجل يده ليجدها بين أسنان المراهق الذي سرعان ما يذوب بين المارة بعدها، أو تجرح يده بعض الدبابيس والمسامير التي يلقيها أحدهم في كفه.

فمن هنا ضاعت هيبة الرجل بين الاستهتار به والمزاح والمكائد التي يدبرها الطلبة المسلمون نحوه، وكثرة سقوط «الصليب» من يده على الأرض.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد