عرفت المنطقة العربية منذ 2011 موجة تغيير سياسي وعملية تحول ديمقراطي هناك من سماها بالربيع العربي وهناك من أطلق عليها اسم الثورات العربية وغيرها من المسميات التي تعبر عن التحولات المرحلية في تلك الفترة اين ارتفع سقف الطموحات العربية إلى مستوى الأحلام بل كان ينتظر المواطن العربي أن تصبح بلاده مثل الدول الديمقراطية بعد أن عاش عقودًا من الأنظمة الاستبدادية والشمولية ولكن بعد حصاد 8 سنوات من هذه الحركية نجد أن النتائج لم تكن في مستوى التطلعات والطموحات خاصة أن كلًا من الجزائر والسودان بدا فيهما التغير السياسي ولكن باختلاف فيما بينهما وبين ما سبق.

تتبادر للذهن مجموعة من التساؤلات تطرح هل الدول العربية هي استثناء في عملية التغير السياسي والانتقال الديمقراطي مقارنة بأوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية بل حتى بعض الدول الأفريقية أم أن الخلل يكمن في الذهنيات والممارسات العربية على اختلاف باقي الذهنيات الأخرى أم أن الشعوب العربية لم تحتكم لمنطق العلم والقواعد الناظمة لعمليات التحول الديمقراطي أم أن النظريات والأفكار السياسية لم تراع الخصوصية العربية؟

إذا أردنا تقديم عملية تشريح وتحليل للواقع السياسي العربي ونقارنه مع أوروبا الشرقية التي تعتبر الأقرب زمنيًا في عملية التحول الديمقراطي بالنسبة للدول العربية نجد أن كلًا من المنطقتين مرت بمرحلة حكم استبدادي وتسلطي، فأوروبا الشرقية عانت من الحكم الشيوعي منذ 1945 إلى 1989 وبالتالي عانت من الممارسات القمعية والتسلطية والمنطقة العربية أيضًا عرفت أنظمة شمولية تراوحت ما بين الاشتراكي والرأسمالي وإن كانت أقل زمنيًا من أوروبا الشرقية.

نجدأن أشكال التغير الديمقراطي التي عرفتها أوروبا الشرقية عرفت أنواعًا ما بين العنيف كما حدث في يوغسلافيا والسلمي كبولونيا والمجر والانفصالي كتشيكوسلوفاكيا ولكن نجد أن هذه الدول احترمت قواعد التغير السياسي ومبادئ الديمقراطية ألا وهي الاحترام للرأي والرأي الآخر واعتماد مبدأ عدم الإقصاء فلم يتم إقصاء التيارات الشيوعية بل شاركت في المرحلة الانتقالية ودخلت للانتخابات كما احترمت نتيجة الصندوق الانتخابي واحترام صوت الشعب وضمان حياد الجيش الذي وقف إلى جانب الشعب وفعالية دور النخب السياسية والعلمية والنقابية في بناء عملية تحول ديمقراطي سليم وسلمي.

وبالتالي نجد أن دول أوروبا الشرقية مرت بسلاسة في تغيرها لأنظمتها السياسية وأصبحت تحترم المعايير الديمقراطية وهنا نجد في المقابل الدول العربية لم تلتزم بهذه الأسس والشروط إذ أن الجيش كان حاسمًا في تدخلاته إما بشكل مباشر أو غير مباشر هذا إذا استثنينا الجزائر وتونس أين كان مرافقا إلى حد الساعة وبالتالي هذا يؤثر في التوجهات السياسية والمبادرات الفاعلة.

كما اعتمدت أيضًا على سياسة الإقصاء والتخوين ورفض الآخر وبالتالي إقصاء لفكرة الديمقراطية والجزء المهم غياب الثقافة السياسية في العملية الديمقراطية التي تقوم المبادرة والتغير والعمل بشكل إيجابي والاحتكام للصندوق دون أن ننسى العامل الخارجي الذي أثر بشكل أساسي في عملية التغيير في المنطقة العربية بالسلب.

ومن هذا المنظور نجد أن الحراك في الجزائر والسودان إن أراد استدراك التجربة العربية والمرور بسلمية للمرحلة القادمة لا بد أن يراعي هذه المتطلبات وألا يكتفي بالطموحات والكلام لأن الأمر يتطلب العمل والمبادرة الإيجابية وتجنب الإقصاء والتخوين وتفعيل مؤسسات الدولة وأن تلعب النخب دورها التاريخي والأساسي في رفع مستوى التوعية ونشر الثقافة السياسية وألا نعتمد على المراحل الانتقالية بل يجب المرور لحسم الأمور عبر الصندوق الانتخابي وإعطاء الضمانات من طرف مؤسسات الدولة وبقاء الجيش مرفقًا لا متدخلا في الحياة السياسية حتى تنجح أي عملية تغير سياسي سلمي فالمنطقة العربية ليست استثناءً عن باقي الشعوب رغم التحديات الخارجية إلا أن إرادة الشعوب هي التي تصنع الواقع وتتطلع للتحديات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد