لماذا أكتبُ عن الكثيرين ولا أكتبُ عنها؟ سألتُ نفسي ذلك السؤال مرارًا، يُحسِنُ قلمي أكثر ما يُحسِن أن يتحدّث عن أحبّته، والذين أحسنوا إليه، لكنّني قليلًا ما أتكلم أو أكتب عن أمي. عكستُ السؤال وسألتُ نفسي لماذا أكتبُ عن أولئك الأحبّة؟ وجدتني أجيب نفسي: لأنّهم لم يكونوا، ثمّ كانوا. أو كانوا، ثم صدر منهم فعلٌ أو أفعالٌ اهتزّت لها أوتارُ القلبِ، وثارت في النفس لهم المشاعر فخرجت في كلماتٍ تقطُرُ امتنانًا لهم. كتبت عن أساتذتي وأصحابي ومُعلّميّ والشعراء الذين أحبّهم، والبنات اللائي أحببتهن، لكنّني لم أكتب عن هناء، هناء سعد الهادي سالم. تلك الفتاةُ الريفيّة التي كتب لها القدرُ موعدًا مع شابٍّ قاهريٍّ/ سكندريّ، لم يكتب له الله النُّجْحَ في زيجته الأولى، ليكون على موعدٍ مع قدره في قريةٍ صغيرة بمحافظة الشرقية. لتبدأ تلك الفتاةُ الريفيّةُ نضالها وكفاحها وحدها، في المدينة «القاهرة». عاشت تلك الشابّةُ جُلَّ حياتِها وحدها، دون أهلٍ يزورونها، ولا زوجٍ يحملُ عنها أعباء أبنائها الأربعة الذين ربّتهم وكانت لهم كما فخرت دائمًا «الأب والأم». نحتت أمي بصبرها وزُهدِها وتضحيتها وحُبِّها وضعفها وقوّتها في نفسي معانيَ لن تُمحى. ما زِلتُ أذكُر مواقِفَ بعينها وتفاصيلها بكيتُ فيها شفقةً على أمي، ووعدتُها أن أسعى لأبدِلها بمرارة تلك الأيامِ حلاوةً حين «أكبر»، وعدتُها وعد طفلٍ لم يعلم شيئًا غير أنّ أمّه تنحتُ في الصخر، وتحرم نفسها من كل لذيذ لأجل أبنائها. خاضت أمي حروبًا تفتُّ الصخر، وغلبتها.

خاضت حرب السرطان مع أبي، ولم يهزمها. خاضت حرب سجنِ ابنها الوحيد، ولم تنهزم، بل انتصرت بدعائها وجريها في المحاكم على ظلم البُغاة، ونصرها الله، لأنّها كانت تحاربُ في النهار، وتلجأ إليه بالليل. خاضت أمي حرب زواج بناتٍ ثلاثٍ لم يفصل بين زواج كُلِّ واحدةٍ والأخرى غير سنةٍ أو سنتين، وهي الآن بين أحفادِها الأربعة. خاضت أمي حربًا مع ولدٍ فعل كل ما يُمكِنُ فِعله لكي يشيب سوادُ شعرها، حتى صنعت منه شيئًا تفخرُ به. لكن ماذا صنع لها في المقابل ذلك الولد؟ لم أكتب عن أمي لأنني لم أعش قبلها فأعرف معنى الحياة دونها ثم أقابلها فتزلزلني عطاءاتُها فأكتب وأصرخُ غير متحمّلٍ كل هذا الحُبّ والامتنان والشُّكر لمن كانت بوّابتي إلى الدنيا. ظللت أنام في سرير أمّي على ذراعها أكثر من عشر سنوات. لم تكفّ أمي عن إحاطتي برعايتها. رزقني الله بُحبِّ خلقه لي – وإن نفر مني بعضهم – غير أن كُلَّ الناسِ ينسى، إلا أمي. وإن نسيتُها في لحظاتِ فرحي أو في سفراتي فإنّها تنامُ وأنا في عقلها، واسمي في دعائها. تقومُ وتقعدُ بي. لم أغادر أمي حين وضعتني، فإنّها لم تضعني من رحمها إلا في سويداء قلبها. ولم أخرج منذ إحدى وعشرين سنة. كيف يُمكِنُ لنملةٍ أن تدرك فضل قصب السُكِّر الذي يُصنعُ منه ما تحيا به؟ بل أنا أقلُّ من تلك النملة يا أمي، وأنتِ سُكَّرُ حياتي حين تشتدُّ مرارتُها. لم أعتد أن أشتري لك هديةً من قبل يا أمي، فولدك الرومانسيُّ الذي لا يخلو حديثٌ له من ذكر حبيبةٍ له قديمة، لم يُحسِن أن يكون رومانسيًّا مع أمّه، ربّما كان حُبُّك ضاربًا في جذور ذلك القلب، حتى لم يعد يشعر به لأنّه هو هو. أنا بلا حُبِّك لا شيء يا أمي. هل أبدو ممن يأكلون بعقول حبيباتهم «حلاوة»؟ سيقولون ذلك، فأخبريهم يا أمي عن دموعي في حضنك.

أخبريهم عن تلك الأيام التي كسرتني فيها الدنيا فارتميتُ في حِضنِك باكيًا. أخبريهم عن دموعنا معًا مُتعانِقين حين كسرني أبو البنتِ الذي وزنني حين طلبتُ يد ابنته فلم أزن في ميزانه جناح بعوضةٍ، أخبريهم أنّ أحدًا من العالمين لم يكن ليستطيع أن يسعني حِضنه تلك الأيام إلا أنتِ. أخبريهم أنّ كل جبائر الدنيا غير حضنك لم تكن لتجبر ذلك الكسر يا أمي. أنا لا أُحسِنُ غير الكلمة يا أمي، وأنتِ لا تُحسنين غير العطاء، فاقبلي هديتي يا شمس دنياي، وهناي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد