«يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون، أياما معدودات فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرًا فهم خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنت تعلمون» صدق الله العظيم سورة البقرة الآية (184).

فرضية الصيام جاءت من الله عز وجل لعباده المسلمين من أجل التقوى وتزكية النفس، والتقوى تتحقق من خلال أمور كثيرة منها تطهير القلوب من الحقد والحسد والبغضاء والشحناء والضغينة وحقن الدماء والبعد عن الظلم والفسوق والعصيان والفجور وتحري الحلال في المأكل والمشرب والملبس وخدمة الحاكم لرعيته ومحاولة التيسير عليهم والسعي على خدمة اليتامى والأرامل والمساكين ومساعدة الفقراء والضعفاء ونصرة المظلوم وغيرها من الأمور التي تبعد الإنسان عن ملذات وشهوات الدنيا وتضيق على الشيطان مسالكه بقدر المستطاع.

وليست التقوى في رمضان فقط بل إنها على مدار العام ولكن الصوم يهذب النفس بشكل أكبر ويجعلها متسامحة ويجعل القلب حريصًا على التسبيح والاستغفار والحمد لله عز وجل وفعل الخيرات والطاعات.

ولأهمية الصيام في تزكية النفس وتهذيبها قال الرسول صلى الله وسلم كما ثبت في الصحيحين: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء».

لكن لم يعد رمضان كما هو في ظل القتل والدمار والظلم والجوع والحروب والدماء في العالم العربي والإسلامي.. لم يعد اليمن سعيدًا كما كان فهناك ملايين الجوعى ومئات الآلاف من القتلى والجرحى وملايين ممن تم تشريدهم وتركوا بيوتهم والعيش في معسكرات، بل هناك تقارير رسمية تقشعر لها الأبدان تقول إن حوالي مليوني طفل يمني يعانون من سوء التغذية ويموت كل 10 دقائق طفل يمني، وذكر برنامج الأغذية العالمي أن نصف أطفال اليمن يعانون من التقزم، بسبب سوء التغذية الذي يؤثر على نمو الطفل وتطور مخه بشكل لا يمكن علاجه بما سينعكس بصورة سلبية على قدرة اليمن على الإنتاج في المستقبل. ويواجه حوالي 20 مليون يمني نقصًا حادًا في الغذاء، وفق تقييم الأمن الغذائي الذي أجري أواخر 2018.

فضلا عن أن أكثر من مليون موظف حكومي يمني، في المناطق التي تقع تحت سيطرة الحكومة المدعومة من الحوثيين، لا يتقاضون رواتبهم منذ توقفها في سبتمبر (أيلول) عام 2016. ويعتمد كثير من اليمنيين على المساعدات الإغاثية التي تقدمها المنظمات الدولية العاملة في المجال الإنساني منذ بدء الحرب في مارس (آذار) عام 2015، بحسب الأمم المتحدة، التي أكدت أنّ اليمن يمرّ بأسوأ أزمة إنسانية في العالم، ويحتاج 80% من سكانه (24 مليون شخص) إلى المساعدات الإغاثية العاجلة.

بسبب هذه الظروف القاسية اختفت مظاهر الاحتفاء بشهر رمضان أو قلت حماستها لأن ما شاهده اليمنيون خلال تلك الفترة لا يمكن وصفه أو تخيله! كيف يمكن لأسرة فقدت أحد أفرادها أو معظمها أن تنسى هذا المصاب الأليم؟! وكيف سيعيش الأطفال الذين شابوا قبل بلوغ الحلم وقبل حتى التمتع بحياة الطفولة البريئة، وكيف سيتكيفون على الأوضاع القاسية؟! ضاع اليمن وضاعت أحلام اليمنيين ولم يتبق سوى تذكر أشلاء القتلى في كل مكان.

ما حدث في اليمن أو ليبيا أو سوريا أو غيرها من الدول العربية لا تستطيع الذاكرة نسيانه ولو حاولت مرارًا وتكرارًا.

الأشد ألمًا هو التناحر والتقاتل بين الإخوة المسلمين فيما بينهم على كرسي وعرش زائل لا محالة، ولو دام الكرسي لما وصل إلى الحاكم الموجود الآن.. انشغلوا وتشرذموا وتقطعت أوصالهم فيما بينهم، ونسوا أن العدو الأول والأخير هو الكيان الصهيوني الذي عاث في الأرض فسادًا، يقتّل ويدمّر ويهجّر المسلمين في المدن المحتلة ويفرض حصاره على قطاع غزة منذ أكثر من 12 عامًا تحت مرأى ومسمع العالم كله والعرب والمسلمين في كل مكان.

أين حكام العرب والمسلمين فيما يحدث في القدس والخليل والضفة وغزة وخان يونس وبيت لحم وكل الأماكن المقدسة؟ لا نسمع منهم إلا عبارات إدانة لا تسمن ولا تغني من جوع! بل إن المصيبة الأكبر أن بعضهم لا يهتمون بهذه الأمور بل ربما يعينون الصهاينة على هذا الإجرام!

المصيبة الأكبر هي التي حلّت على ديارنا هو الاقتتال الدائر فيما بيننا والظلم والقتل والبغي الذي استشرى بحجة الإرهاب، ونسي هؤلاء الحكام أن الخوف والجوع والترهيب والتعذيب وتغييب العقول أشد فتكًا من الإرهاب بل إنه إرهاب مخيف ومدمر وفتّاك.!

ما الذي كسبه النظام السوري بعدما قتّل شعبه وهجّر الجزء الآخر ودمّر البنية التحية؟ هل عادت سوريا موحدّة، مستقلة مزدهرة منعمة بالأمن والأمان والرخاء؟ ألم يوجد هناك تدخل سوري وإيراني ودول أخرى؟! هل حقق بشار ما كان يحارب من أجله؟ ألم يكن بشار -وكل من يعاونه- إرهابيًا يستحق أن يُحارَب بدلا من نصرته؟

اختفت أيضًا مظاهر أجواء رمضان في سوريا.. وكيف يحتفون بأجواء رمضان والحزن والدمار قد عشش وخيم على كل الأصقاع هناك؟!

كيف ينعم الناس في ليبيا بالصوم وهم يخافون الموت تحت القصف «الحفتري» الغاشم؟ كيف ينعمون بالسحور والإفطار وهم مستهدفون من قوات خليفة حفتر التي لا تعبأ بحرمة دم أو حرمة شهر فضيل؟! وكيف ينعم الناس بالصوم وقد تركوا بيوتهم خوفًا من القتل؟

إن القلوب لتبكي والعيون تذرف دمًا على آثار الدمار والخراب والقتل التي فاقت الحرب العالمية؟! لكن ليس بإمكاننا إلا أن نقول حسبنا الله ونعم الوكيل، وعند الله تجتمع الخصوم، الله لطيف بعباده، وسينصر الله كلمة الحق ولو بعد حين، نتمنى على الله أن ننحاز إلى الحق ونصرته، فإنه لشرف ما بعده شرف.

أشد ما يبعث على الاستفزاز في ظل هذه الظروف القاسية هو تخصيص برامج تلفزيونية كثيرة للطهو والتفنن في إعداد المائدة في مصر ودول كثيرة في الدول العربية وهناك ملايين لا يجدون قوت يومهم وهذه البرامج بالتأكيد لا تجلب الارتياح للسواد الأعظم من المشاهدين.

أما الإعلام في العالم العربي فهو لا يركز على قضايا حيوية وجوهرية للمشاهد بل يهتم أكثر بالطبقة التي تمتلك المال والحياة الكريمة.. ولا ينظر إلى فقير أو مريض أم مظلوم إلى ما رحم ربي!

في النهاية أود هنا أن أشير إلى بعض نصائح أهل العلم للمسلمين في رمضان:

1- الحرص على الابتعاد عن الأشياء التي تلهي عن العبادة بقدر المستطاع.

2- الحرص عندلى قراءة الأذكار قبل الشروق وقبل الغروب والتسابيح فلها من الفضل الكبير إن شاء الله.

3- قراءة ورد يومي من القرآن الكريم، فهناك من يختم القرآن في الشهر خمس مرات وهناك أكثر من ذلك لكن على الأقل ختم القران مرة واحدة.

4- التسامح والعفو، وتلمس الفقراء والمحتاجين، وزيارة المرضى والقيام بأعمال الخير بقدر المستطاع.

5- البعد عن المسلسلات بقدر المستطاع فإنها لاهية ولا تساوي شيئًا، ويجب قضاء هذا الوقت في قراءة القرآن وصلة الأرحام والجلوس مع الأهل.

6- الدعوة قبل الإفطار فإن دعوة الصائم مقبولة إن شاء الله والحرص على الاستغفار وذكر الباقيات الصالحات وهي كما قال أهل العلم سبحان الله والحمد لله ولا إله الا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

تقبل الله طاعتكم.. وكل عام وأنتم بخير، اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين وأعلي بفضلك رايتي الحق والدين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد