“هى إيه إلِّى وداها هناك ؟” ليست مجرد جملة ذكرها الإعلامى “خالد عبد الله” في أحد البرامج على قناة الناس؛ تعليقا على واقعة سحل فتاة وتجريدها من ملابسها فى ميدان التحرير، بينما هي جملة تلخص حالة اليأس واللامبالاة التى يعيشها الشعب المصري.

 

هو إيه إلِّي ودى جمهور الأهلى يتفرجوا على مبارة النادى الأهلى! فى إستاد بورسعيد؟

هو إيه إلِّى ودى الشباب أمام مجلس الوزراء؛ للاعتراض على تعيين رئيس مجلس الوزارء!

هو إيه إلِّى ودى الشباب في رحلة لتسلق الجبال فى سانت كاترين؛ علشان يتسلقوا الجبال!

هو إيه إلِّى ودى المتظاهرين المعترضين على عزل محمد مرسى أمام نادي الحرس الجمهوري إلِّى معتقل فيه محمد مرسى!

هو إيه إلِّى ودى أتوبيس السائحين المكسيكيين في رحلة سفاري؛ لاكتشاف الصحراء!

 

وكأن المنطق انتحر فى مصرنا العزيزة، وأصيب جموع الشعب المصري بفقدان القدرة على التمييز بين الجاني والمجني عليه، حتى أصبحت إيجابية أي فصيل من الشعب المصري تجاه أية قضية من القضايا، أو تجاه أي نشاط من الأنشطة، هي مسار سخط وشماتة باقي الفصائل المعارضة له في حال وقعت أية كارثة أو لم تقع.

وفى طريقي لتفسير هذه الظاهرة الغريبة، والتى ظهرت على الشعب المصري وبقوة بعد ثورة يناير وجدت أن أحد أهم أسباب هذه الظاهرة هو الإعلام المصري الذي استطاع وبقوة تغيير عاطفة ونخوة الشعب المصري تجاه الكوارث، والتي كان يتميز بها الشعب المصري وسط شعوب الأرض.

الإعلام المصري الذى يسبح بحمد النظام الحاكم ورجاله المنتفعين منه استطاع أن يدير ظهر الشعب المصري عن المتسبب في الكارثة التي ألمت بالإسكندرية، بعد ثلاث ساعات أمطار ليجعله يصدق أن السبب وراء الكارثة هم سبعة عشر شاب من جماعة الإخوان المسلمين قاموا بسد بلاعات الصرف الصحي! وهو نفس الإعلام الذي استطاع أن يوجه الرأي العام إلى أن إقالة هاني المسيري هي الحل؛ لفشله في التعامل مع أزمة الأمطار، وترك رؤساء الأحياء الستة ذوي الخلفية العسكرية؛ لنجاحهم الباهر في التعامل مع نفس الكارثة!

الإعلام المصري هو من أقنع قطاعا كبيرا من الشعب المصري بأن تصفية قوات من الجيش المصرى لأكثر من عشرة سائحين أثناء رحلة سفاري كانت لحماية الأمن القومي المصري!

الإعلام المصري هو أيضا من أدار الدفة باحترافية بعد الأزمة التي ترتبت على سقوط الطائرة الروسية، فيتحول غضب رجل الشارع البسيط إلى الدول التي تتآمر على مصر وعلى رئيسها.

وفي الحقيقة أنا أرى أن الإعلام المصري بريء من تلك التهم التى اتهمته بها لو اتبعت نظرية: “إيه إلِّى وداها هناك”؛ فمن الذي أوصلنا لنشاهد هؤلاء الإعلاميين الذى يحدثوننا ليل نهار عن التقشف والصبر والتضحية لتحيا مصر!

من هى مصر من منظور هؤلاء؟ أريد من العقلاء تعريفا واحدا لمصر التي يطالبونني أن أتحمل انقطاع المياه لمدة ثلاثة أيام ثم أتحمل شربها مخلوطة بماء المجاري، من هي مصر التى أتحمل من أجلها أن أقضي أجمل سنوات عمري في كبد وشقاء يومي لعدم قدرتي على مجاراة أسعار الكهرباء والمياه والغاز والتي وصلت لـ 100 % ويا ليتها كانت موجودة!

مصر التى يطالبوننا بالصبر من أجلها هى فيلا المريوطية، وشقة الساحل الشمالي، والسيارة المرسيدس E 180 ، واشتراك نادي الجزيرة للأولاد، والبيوتي سنتر للمدام.

مصر التى يطالبوننا بالصبر من أجلها والجوع للحفاظ على استقرارها هى استقرار معدل ارتفاع أرصدتهم في البنوك وزيادة حصة الإعلانات على قنواتهم.

و هنا يجدر بي السؤال: هو إيه إلِّي وداهم هناك؟ أو بمعنى أدق: من الذي أوصلهم للجلوس على تلك المقاعد العريضة فى هذه الاستديوهات الفارهة المكيفة بالهواء؟ أليس نحن من حملناهم على أكتافنا فى 25 يناير؛ ليعتلوا المنصات، ويغيروا المزاج العام في الميدان وفقا لمصالحهم وأجنداتهم!

أين إبراهيم عيسى، ومصطفى بكري، ومظهر شاهين، وغيرهم الكثير ممن كانوا بيننا فى الميدان، والآن هم أشد أعداء ثورة يناير، بل وقد أعلنوا عداءهم لثورة يناير وشبابها؟

هو إيه إلِّى ودانا هناك؟ لتلك الشاشة الصغيرة؛ لمشاهدة عمرو أديب، ولميس الحديدي، وخيرى رمضان، وتامر أمين من جديد، بعدما رأينا موقفهم من ثورة يناير إبان الثورة نفسها، حينما رأيناهم وهم يتابكون على المخلوع ويسبوننا ليل نهار، ويحرضون الشعب علينا، ويصفوننا بالعملاء والخونة.

الواقع المصري أصبح صعبا، حتى إن الكلمات باتت أصعب لوصف ما وصلنا إليه على كل المستويات، وعليه فإن جملة: “إيه إلِّي وداها هناك؟” لم تعد مجرد كلمة، بل أصبحت أسلوب حياة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد