(اخوان مصر نموذجاً)

مرت علينا عدة تجارب لوصول الإسلاميين للحكم في بلادنا العربية والإسلامية باء أغلبها بالفشل، وسواء فشلت أو أفشلت تلك التيارات، فإنها يجب أن تقر بهذا الفشل، فإما أنها لم تكن أهلًا لتلك التجارب من الأساس، ولم تنضج النضوج الكافي، وخاضتها قبل أوانها، وإما أنها لم تؤد ما عليها، ولم تحسن الحكم والتصرف، ولديها إشكالية في منهجها ورؤيتها، وسواء كان هذا أو ذاك ففي كل الأحوال هو من عند أنفسهم، وبما كسبت أيديهم.

لكني قبل أن أبدأ هذا المقال أود أن أنوه على أنه – وإن كنت أنقد التيار الإسلامي أو أحد فصائله – يبقى الخيار الوحيد لانتشال الأمة من براثن الظلم والهلاك، ويبقى هو شعاع النور الذي نراه من بعيد ونستضيء به؛ لأنه نابع من نور الله ومنهجه في أرضه، ويبقى له اليد العليا على غيره، ويبقى هو صاحب المبادئ العظيمة والأسس المتينة، ولعل نعل فرد فيه خير من تلك الأحزاب العلمانية والشيوعية مجتمعة، والتي لا تعرف المبادئ والقيم، فإن السني إذا قعدت به أعماله قامت به عقيدته، وصاحب البدعة إن قامت به أعماله قعدت به عقيدته.

إن التيار الإسلامي قد بذل الغالي والرخيص في سبيل أمته والرفع من شأنها، واجتهد كثيرًا، فأصاب مرات وأخطأ مرات، أما «حمير الضالين» من العلمانيين، والليبراليين، والشيوعيين، واليساريين، وأمثالهم ما هم إلا مطية لأعداء الأمة، باعوا أنفسهم بثمن بخس، وساهموا في سلخ الأمة من هويتها وحضارتها، حتى أنهم باعوا مبادئهم، فالعلماني صار عسكريًا وأيد الانقلابات العسكرية، والشيوعي صار ليبراليًا، وصاروا جميعًا في «حيص بيص»، وكأنهم صندوق قمامة اجتمعت في كل الروائح العفنة لا تدري أي شيء فيه أسوأ.

كما أود أن أنوه أن تقييم تجربة كتجربة حكم الإخوان في مصر، لها عدة اعتبارات لا بد من الأخذ بها جميعًا، ببعدها الدولي، والإقليمي، والمحلي.

فمرسي أتى والقوى العظمى ترفضه والقوى الإقليمية تعاديه، والدولة العميقة وخونة الداخل يحاربونه ليلًا ونهارًا، والشعب يجهل غايته ومنهجه، فلا يمكن أن ننظر لتلك التجربة نظرة سطحية من جهة واحدة دون أخذ جميع الاعتبارات.

في مقالي لأهاجم أحد ولا أنقم على أحد بعينه وشخصه، ولكني أرصد أمورًا أوردت المسلمين المهالك لعل الله يكتب القبول لهذه الكلمات فتصل إلى مسامع من يتصدر أمر تلك التيارات. أستعرض هنا أهم العوامل التي أراها ساهمت في فشل وإفشال الإسلاميين في الحكم.

التعظيم من الذات والجهل بالقدرات

الحركات الإسلامية المعاصرة لديها قدر كبير من تعظيم الذات، فنجدها تخوض تجارب أكبر منها ومن قدراتها، وتتصدر لمسؤوليات أكبر من حجمها، وتقدم وعودًا أعلى من إمكاناتها، ولقد سمعت عبارة: «نحن لدينا خبرة 80 عامًا من العمل السياسي» من كثير من قادة جماعة الإخوان، لا أدري كيف تم احتساب هذه الخبرة التي لم يتول فيها قيادي واحد منصبًا ذا أهمية داخل أجهزة الدولة.

تلك النظرة جعلتهم يصمون الآذان عن كثير من النصائح التي وجهت إليهم، والنظرة الفوقية والاستعلائية للناصح.

تجلت هذه الرؤية للذات في كثير من التحركات، كخوضهم الرئاسة، وفي كثير من الوعود منها برنامج «المائة يوم» الذي لم يتحقق منة إلا الفتات، فكان بداية للسقوط الشعبي، والادعاء بالقدرة على إيجاد كافة الكوادر اللازمة للدولة وإصلاح جميع المؤسسات، هنا نقول: «إن التيارات الإسلامية كثيرًا ما لبست رداء أكبر منها؛ ما نتج عنه سقوط سريع ومدو».

الجهل بالتاريخ

التيارات الإسلامية لديها فشل وعجز في القراءة الصحيحة للتاريخ؛ فالله سبحانه وتعالى قد قص علينا الماضي لنستشرف منه المستقبل، فثلث القرآن من القصص التي فيها من العبر والدروس ما تستقيم بها الحياة، كذلك التاريخ فيه سنن كونية ثابتة في قيام الدول أو انهيارها.

التاريخ سطر عوامل السقوط والبناء عوامل الهزيمة والنصر كلها واضحة كالشمس في كبد السماء، لكن هل من مدكر؟

التاريخ الإسلامي خصيصًا غني بما ذكرنا وفيه تجارب عظيمة وكبيرة من أيام الخلافة الراشدة مرورًا بالدولة الأموية، ثم العباسية، ثم العثمانية، و800 عام من الحكم الإسلامي للأندلس قامت فيه دول وسقطت فيه أخرى، تاريخ فيه العظيم، والخائن الجبان، والشجاع العبقري، والساذج، وغيرهم من النماذج التي تتكرر في كل العصور.

التاريخ عمومًا حافل بالثورات والانقلابات العسكرية التي تتشابه أسبابها وتستنسخ بعضها البعض.

دارسة وتحليل كل ذلك والاستفادة منه كفيل أن يقيم الحق ويزهق الباطل؛ فقد قال الله: «لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ»، لكننا نفتقد أولي الألباب.

تقديم الثقات لا الكفاءات

معضلة من معضلات التيار الإسلامي، وهي الاعتماد على الثقات لا الكفاءات، تقديم الشخص المروض الذي لا تخشى منه معارضة أو اعتراض، وترك الكفء تجنبًا لنشوزه وكثرة معارضته، فأصوات المعارضة كثيرًا ما يوضع عليها خط أحمر تنظيميًا، للأسف التيارات الإسلامية لم تترب على قبول الرأي والرأي الآخر، وفي كثير من الأحيان من لا يطبق مفهوم السمع والطاعة بحذافيره يتعامل معه على أنه ناقص ومختل تربويًا.

إن مفهوم السمع والطاعة المطلق، ومبدأ «نفذ ثم اعترض» الذي يلام على العسكر غرسه، وتطبيقه بين صفوفهم بتلك الطريقة للأسف تسلل إلى داخل تنظيم الحركة الإسلامية.

كما أن الكفاءات أصحاب المبادرات الفردية والأنشطة الخارجة عن إطار التنظيم يتم وقفهم والتعسف معهم حتى ولو كانت تلك المبادرات والأنشطة تخدم نفس الهدف!

أذكر تعميمًا جاء بعدم التعامل مع مبادرة عالم كبير – فك الله أسره – بخصوص القدس؛ والسبب في ذلك أنه لم يستأذن الجماعة!

جاء في الأثر «إذا ضُيّعت الأمانة فانتظر الساعة؛ قيل كيف إضاعتها؟ قال إذا وسّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة، ولا شك أن هذا التصرف فيه إعطاء للمسؤولية لغير أهلها».

يقول الفاروق عمر رضي الله عنه: «من ولي من امر المسلمين شيئًا فولّى رجلًا لمودة او لقرابة فقد خان الله ورسوله والمؤمنين»، دخل عليه يوما قاتل أخيه زيد بن الخطاب في اليمامة وقد أسلم الرجل، فنظر إليه عمر وقال له: «والله لا أحبك حتى تحب الأرض الدم»، فقال الرجل: «يا أمير المؤمنين أيمنعني هذا حقي؟» أي بغضك إياي. قال عمر: «لا»، الحب والكره ليس له دخل في الحق، لا دخل للحب والكره في تقديم أو تأخير أحد، ولا في محاباة أحد.

الكثير من أصحاب العقول مدفونون في أعماق تلك التيارات والجماعات، قد أهيل عليهم التراب؛ لأنهم ليسوا من أهل السمع والطاعة بمفهومه العسكري.

علاوة على ذلك تربية الأفراد بهذه الطريقة تقتل الإبداع والابتكار والاجتهاد في نفوسهم. لذا نجد أن أغلب المفكرين والنقاد والعلماء المجتهدين قد ضاق بهم الأمر ذرعًا، وتركوا تلك التنظيمات. والأعداد تفوق الذكر والإحصاء على مر التاريخ.

ونجد كثيرًا من الانشقاقات من شخصيات أصبح لها ثقلها ووزنها في المجتمع، ولمع نجمها بعد ترك التنظيم!

السذاجة السياسية.. عدم فهم الخصم.. قلة أوراق اللعب

الإسلاميون لديهم عدم نضج سياسي، وجهل بالخصم، وتعامل بسذاجة بطريقة عجيبة، فتجد أنهم قللوا من خطورة التيارات العلمانية، واستهانوا بها وبمدى تأثيرها في المجتمع، وتعامل الدولة مع المخربين والبالوعات الإعلامية، مثلًا: حتى مظاهرات 30 يونيو (حزيران)، كان هناك استخفاف بقدرة تلك التيارات على الحشد، والتغني بأن تلك الجموع من البلطجية والمأجورين فقط! في حين كان ظاهر للجميع أن طبقة كبيرة من كل فئات الشعب ساخطة وغاضبة!

تلك السذاجة كانت السمت الأوحد في تعامل الإسلاميين مع خصومهم، حتى أولئك الذين اكتوت بنارهم التيارات الإسلامية أكثر من مرة، وكانت العداوة واضحة على مر التاريخ بينهم، كالعسكر الذين لعبوا بالإسلاميين كالشطرنج، قدموهم وصدروهم وقتما أرادوا، وأخروهم وقتما أرادوا، زرعوا بينهم وبين الآخرين العداوة والبغضاء، أمدوهم بالمعلومات التي أرادوا، ومنعوا عنهم ما أردوا كذلك.

تهديد دائم وعنجهية من قبل العسكر، حتى أن في مصر لم يملك الإخوان الحكم الفعلي دقيقة واحدة، فإن أخذو السلطة التشريعية سلط عليهم العسكر السلطة التنفيذية، والقضائية، والإعلامية. وإن أخذوا جزءًا من السلطة التنفيذية سحبت منهم التشريعية، وهكذا دواليك!

تحضرني هنا كلمة الجنزوري للإخوان «ورقة حل مجلس الشعب في الدرج»، ولا أستطيع استيعاب أين كانت عقول الإخوان طول تلك الفترة التي كان الصغير والكبير يعرف أن العسكر يستدرجون الإخوان للهاوية؟

حتى قبيل إعلان الانقلاب لم يكن الإخوان يدركون وجود انقلاب عسكري، وسمعتها بنفسي من كثير من قادة الإخوان «عهد الانقلابات العسكرية انتهى».

وفي يوم الحرس الجمهوري الذي اتضح للشجر والحجر بعده أن العسكر خاضوا طريق الدم الذي لا رجعة فيه، كان قادة الإخوان يقولون لنا: «إن الذي قام بالمجزرة مجموعة مارقة، وأن مرسي في طريقع للعودة، وأن أغلب قيادات الجيش معنا، ومن قام بالانقلاب قلة مارقة»!

وكأن الإخوان لم يتعلموا شيئًا من عهد عبد الناصر!

بطبيعة الحال أوراق اللعب كانت أقل في يد الإخوان، فلم يكن لديهم الجهاز الإعلامي الضخم الذي بين يدي العسكر والعلمانيين، ولم يكن لديهم نفس حجم التمويل والإنفاق، ولم يكن لديهم الدعم الرسمي الإقليمي والدولي، ولا جيش البلطجية، و«البلاك بلوك»، والبلطجية… وإلخ.

ذلك كله صحيح، ولكن هل من الحكمة الرد على تلك الألاعيب بالإخلاص والتفاني، والدعاء بالنصر على الأعداء، وتوصية الصف باجتناب المعاصي فقط!

هل من الحكمة الرد على «البلاك بلوك» البلطجية، وسحل أفراد الإخوان وأنصارهم في الشارع بالعفو والصفح والتسامح؟ هل من الحكمة أن تظهر ضعيفًا وتُظهر الحق ضعيفًا؟

لا شك أنه كان يجب عليهم خلق أوراق مضادة لما أسلفنا، فإن القائد أو السياسي المحنك لا يعدم الوسيلة، وصاحب القضية يخترع لها ألف وسيلة ووسيلة.

«حماس» في صراعها نموذج جيد يحتذى به في الابتكار والإبداع من لا شيء، في ظروف أسوأ بكثير، وإمكانات أقل بكثير. فلا تقوم الأمم ولا يتحقق التمكين إلا بالاجتهاد، والأخذ بالأسباب والابتكار، والإبداع.

تحضرني هنا واقعة في حروب الردة حينما أرسل أبو بكر الصديق عياض بن غنم إلى «دومة الجندل» ليخضع أهلها بعد أن ارتدوا عن الإسلام، حاصر عياض المدينة قرابة عام كامل، ولم يفلح في اقتحامها. أرسل عياض يطلب مساعدة خالد بن الوليد؛ فجاء خالد بجيشه، وبسرعة ومهارة وبخطة محكمة فتح الحصن وأخضع المدينة. هل كان عياض أقل إيمانًا؟ أم أن عبقرية خالد كانت حاسمة؟

كذلك فإن وضع السيناريوهات والتعامل معها به خلل عند التيار الإسلامي وجماعة الإخوان على وجه الخصوص، فإن احتمال وقوع الأسوأ مستبعد في كثير من الأحيان، وإن كتب على الورق فهو مهمل على الواقع، أو تنقصه الخطة العملية والخطوات التنفيذية.

فمثلًا هل كان في سيناريوهات الإخوان الانقلاب العسكري؟ وهل تم تحديد خطوات واضحة للتعامل معه قبل وبعد وقوعه؟ وتدريب الأفراد وتهيئتهم على ذلك السيناريو؟

وبعد الانقلاب هل تم وضع سيناريوا يفترض نجاح الانقلاب وتمكنة من تثبيت أركانه كيف سيكون التعامل معه ومع الشعب ومختلف الاتجاهات والتيارات وقتها؟

أذكر أني كنت أتحدث مع أحد قيادات الإخوان يستعرض السيناريوهات بعد الانقلاب، وقد ذكر أكثرها بالتفصيل، ولما وصل لسيناريو نجاح الانقلاب وتمكنه قال بالحرف: «ربنا ما يوصلنا لكدا»، ثم سكت!

هل تم وضع سيناريو لقتل أو موت الدكتور مرسي؟ وكيف سنتعامل مع هذا الحدث؟

يتبع إن شاء الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد