عجبًا لأمر هذا القرآن.. يُعجز كل من يبحر فيه، ويأسر كل من يتأمله، ويأخذ بلباب كل من يستمع إليه، ويقهر كل من يتحداه، ولا يمل الناظر إليه، ولا تنتهي عجائبه مهما تغير الزمان أو تبدل المكان، قريبه عميق، وعميقه قريب، ومتعة الإبحار فيه لا يدركها إلا من عايشها.

ولم لا وهو كلام الله الرحمن الرحيم الذي أنزله من فوق سبع سماوات على نبيه الخاتم الكريم محمد – صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم – رحمة وشفاء للقلوب: «وننزل من القرآن ما هوشفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارًا» الإسراء 82، وهداية و تزكية للنفوس: «إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم» الإسراء9، ومنهاجًا وشريعة للحياة ونورًا مبينًا: «وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمين» النحل 89، فأي كتاب هذا الذي يجمع فلاح الدنيا والآخرة إلا وكان أقومها وأصدقها وحُق له ذلك!

وإنّ من أعجب ما وجدت تلك الشمولية العجيبة لكل نواحي الحياة بالتصريح أو الإشارة، وهذا الإعجاز الغريب الذي يخاطب العقل ولا يهمل النفس ويغمر الوجدان والعاطفة، وتلك البلاغة اللفظية والفصاحة اللغوية المعجزة، وذلك البيان العجيب والذي تحدى الله بهم قريش والعرب والإنس والجن كلها بأن يأتوا بمثله فعجزوا وما فعلوا وهم أهل الفصاحة والبيان: «قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا» [الإسراء 88].

فهذا زعيم قريش الوليد بن المغيرة يرسله قومه لمقارعة النبي – صلى الله عليه وسلم – الحجة بالحجة فإذ به بعد جلوسه بين يديه والاستماع لآيات الله يتغير وجهه ويتزلزل قلبه ويعجز أمام القرآن، فيعود إلى قريش في ناديها شاهدا بصدق الرسول – صلى الله عليه وسلم – وعظمة كلام الله قائلًا لهم: «فوالله، ما فيكم من رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه، ولا بقصيده، ولا بأشعار الجن مني، والله، ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، والله، إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته، قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه! قال: فدعني حتى أفكر، فلما فكر، قال: (هذا سحر يؤثر) يأثره عن غيره، فنزلت: ذرني ومن خلقت وحيدًا» رواه الحاكم عن ابن عباس على شرط البخاري ووافقه الذهبي.

لذلك لا أتعجب أن العلم واكتشافاته تثبت صدق وصحة القرآن الكريم في كثير من المجالات، كعلم الأجنة وتطور الجنين: «والله خلقكم أطوارًا» نوح 14، وعلوم الفلك: «هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحساب» يونس 5، وعلم الوراثة والبصمات: «بلى قادرين على أن نسوي بنانه» القيامة 4، والبناء، واللغة، والرياضيات، وغيرها الكثير الكثير.. فسبحان من أحكمه وأنزله وتفضل به علينا.

لكنْ بحكم علاقتي الوطيدة باللغة، والوثيقة بالألفاظ والشعر والأدب والنثر والقصة والخطابة وفنون البديع والبيان المختلفة، كنت دومًا ولا زلت أتساءل كلما قرأت لفظة: لم هذه اللفظة وليس سواها؟ ولماذا هذا التركيب وليس سواه؟ فأتعجب وأقف عاجزًا أمام بلاغته في نظم الألفاظ بدلالات عجيبة لا يدركها مخلوق، مهما حاول الاستنباط إلا بقدر ما فتح الله عليه من العلم والفهم، وتبقى دلالتها الحقيقية ومردها لمن أنزلها وهو الله جل شأنه في علاه، فالقرآن غالب لا مغلوب مهما حاول البشر، ولكننا فقط نسدد ونقارب.

فمن هذا المنطلق أدركت أمرًا عجيبًا ولفظة مشهورة على كل الألسنة نستخدمها نحن عامة البشر وفي القلب منهم المسلمون، وهي لفظة« النجاح» لمن اجتاز أمرًا أو نجح في الوصول إليه فنقول: «ناجحًا»، وليس هذا ما أثار فضولي، إنما الغرابة أصابتني بالصدمة عندما بحثت عنها في القرآن فلم أجدها، ووجدته خاليًا تمامًا منها، فلم تُستخدم مطلقًا لوصف من أصاب أمرًا ونجح فيه، إنما وجدت القرآن يستخدم لفظتين أخريين ومغايرتين لها، حيث أكثر من لفظة: «الفلاح» وأحيانًا استخدم: «الفوز»، حيث وصف الله عباده الفائزين في الدنيا والآخرة بكلمة «الفلاح»: «أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِنْ رَبِّهِم وأولئك هم الملفحون» البقرة 5.

وقد وردت كلمة الفلاح بمشتقاتها المختلفة بين الفعل والاسم 40 مرة، منها على سبيل المثال لا الحصر: «فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» المؤمنون 102، وقوله تعالى: «اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» آل عمران 200.

وكذلك: «إنه لا يفلح المجرمون«يونس17 ، وعلى لسان يوسف عليه السلام: «قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ»، يوسف23، وفي وصف المؤمنين:«قَدْ أَفلح المؤمنون» المؤمنون1، وأهل التقوى: «قَدْ أَفْلَحَ من تزكى»، الأعلى 14 وعن الفوز: «خالدين فيها وذلك الفوز العظيم» التوبة 89.

لهذا كان السؤال: لماذا استخدم القرآن لفظة الفلاح ولم ترد فيه كلمة النجاح مطلقًا؟

مما اضطرني للرجوع لمعاجم اللغة وعلم دلالات الألفاظ لإدراك ذلك السر الغريب، وأكثر ما دفعني لذلك البحث هو تجاهل العرب القدماء لكلمة النجاح فلم يستخدموها ولا اشتهرت بينهم على عكس لفظة الفلاح بمشتقاتها المختلفة، فقد ورد في كتاب «آداب الملوك بالعدل وتبيين الصادق الكريم الرفيع بالعقل» بالباب العشرين «فضائل الكتابة والكُتّاب: «سأل أعرابي عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إلى ذكر معاوية، فقالوا: كان كاتبًا، فقال: أفلح ورب الكعبة، فإن الأمور بيد الكتاب» انتهى صفحة 346.

وكذلك جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري في الرد على سؤال الأعرابي الذي جاء يسأله عن الفرائض والنوافل فكان رده – صلى الله عليه وسلم – عندما أراد الأخذ بالفرائض فقط «أفلح إن صدق».

حتى أن شعراء العرب القدامى وعلى رأسهم عمالقة الشعر الجاهلي من أصحاب المعلقات استخدموا الفلاح بمشتقاتها فقط، ولم تظهر كلمة النجاح إلا عند المتأخرين منهم كالبحتري وغيره، فهذا عبيد بن الأبرص من شعراء الطبقة الأولى للمعلقات يقول:

أَفْلِح بما شئت قد يبلغُ بالـــــــ ضعفِ وقد يُخدع الأريبُ.

إنّ توارد كل هذه الأدلة وتواتر كل تلك الشواهد لا يعني إلا أمرًا واحدًا، ولا يفضي إلا إلى فائدة لغوية عظيمة والتي سوف أفصلها في هذه الأسطر بعد رجوعي لعدة معاجم لغوية وكانت خلاصة ما جاء فيها كالتالي:

«النجاح»:

مصدر من الفعل الثلاثي (نجح) وتعني: الظفر بالشيء وإدراك الغاية و«الناجح» هو: الفائز الذي تجاوز الحد الأدنى.

يقول أبو حيان في البحر المحيط: يقتصر أمره على الظفر الحاجة.

«الفوز»:

مصدر من الفعل الثلاثي (فاز) ويعني: نال أو ظفر وربح، ومن معانيه النجاة؛ولذلك يقول الله تعالى:«فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب» أي بمنجاة منه.

ومن هنا تأتي الدلالة اللغوية العجيبة، وبلاغة القرآن المبهرة في استخدام كلمة الفلاح:

حيث ورد في معناها كما جاء في لسان العرب والقاموس المحيط والمعجم الوسيط: الفوز، والنجاة، والبقاء في النعيم والخير.

وفي حديث أَبي الدَّحْداحِ: «بَشَّرَك الله بخير وفَلَحٍ» أَي بَقاءٍ وفَوْز، وهو مقصور من الفلاح».
قال الله عَزَّ من قائل: قد أَفْلَحَ المؤمنون أَي .صِيرُوا إِلى الفلاح؛ قال الأَزهري: وإِنما قيل لأَهل الجنة مُفْلِحون لفوزهم ببقاء الأَبَدِ.
وفَلاحُ الدهر: بقاؤُه، يقال: لا أَفعل ذلك فَلاحَ الدهر؛ وقول الشاعر: ولكن ليس في الدنيا فَلاحُ، * قوله «ولكن ليس في الدنيا إلخ» الذي في الصحاح: الدنيا، باللام.  أَي بقاء. انتهى من القاموس المحيط بتصرف.

ومن هنا نستطيع القول: إن الألفاظ الثلاثة «النجاح والفوز والفلاح» يشتركون لغويًا في الظفر وإدراك الغاية، ولكن يختلفون دلاليا ، فالنجاح يعنى: إدراك الشيء والوصول إليه فقط، بينما الفوز: النجاة والربح وتجاوز حد الخسارة، أما الفلاح فيعني: بلوغ الغاية والظفر بالخير والفوز والنجاة مع البقاء والاستمرارية؛ لذلك شرع الله لنا في الأذان: «حيّ على الفلاح»: أي هلم بالفوز بالنعيم والخير الدائم الذي لا يزول ولا ينتهي.

وإن أردنا أن نسطرها في نقاط سريعة كي نسهلها على القارئ:

-النجاح: ظفر وفوز وإدراك مؤقت للأشياء ينتهي بمجرد الحصول عليها أو بعضها، ويرتبط بالأمور الدنيوية فقط، وقد يشمل جانبًا واحدًا من جوانب الحياة ومرحلة محددة من الزمن دون سواه.

– الفوز: نيل الشيء وربحه والنجاة من الخسارة؛ لذلك يقول تعالى: «فمن زحزح عن النار وأدخل الجنةفقد فاز»، فالفوز أول درجة من درجات الفلاح.

-الفلاح: ظفر وفوز ونجاة وخير دائم وباقٍ لا ينتهي ويشمل الدنيا والآخرة وهو أسما وأعلا الدرجات، ويشمل كل جوانب الحياة والنفس وكل مراحل الزمن؛ لذلك استخدمه القرآن وأورده بكثرة فلا يتناسب نجاح الدنيا المؤقت مع فلاح الآخرة الدائم.

رسالة الختام:

ربّوا أنفسكم وأولادكم وذلك الجيل الذي غيبته المؤامرات وحملات التغريب على الغايات السامية التي خلقنا من أجلها، واغرسوا بذرة الفلاح في قلوبهم فهي الوحيدة القادرة على ربطهم بالآخرة ومعالي الأمور، والجديرة بصنع حاضر عظيم ومستقبل واعد لهم، فما أكثر من حملوا شهادات النجاح الدنيوية ورسبوا في أول اختبارات الحياة وسقطوا على عتبات الآخرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد