فشل الصوماليون منذ الاستقلال في تجاوز القبيلة إلى دولة المؤسسات التي تحكمها القانون والمواطنة وممارسة الديمقراطية بدلًا عن الانتماءات القبلية. والسؤال لماذا فشل الصوماليون في تجاوز القبيلة إلى دولة المؤسسات كغيرها من الدول؟

والإجابة تكون شقين:

الشق الأول: العقل السياسي الصومالي عقل قبلي تحدده القبيلة في عمله السياسي. وبين هذه الحجة الجابري في كتابه العقل السياسي العربي.

يسعى الجابري في هذه الكتاب إلى فهم محددات وتجليات العقل السياسي في سياق فشل الدولة الوطنية وبدء النزاعات القبلية.

يرى الجابري أن العقل السياسي العربي يملك ثلاثة محددات تنظم فعله السياسي وهي العقيدة، والعشيرة، والغنيمة والتي بدورها تشرح لنا واقع الصومالي من تمزق، والحروب الأهلية، والإرهاب.

العشيرة: يعني الجابري بها الدور الذي تلعبه القرابة في المجال الاجتماعي والسياسية مما سبق أن عبر ابن خلدون بـ(العصبية) عند دراسته طبائع العمران في التجربة العربية الإسلامية التي عهده ونعبر عنه بحق اليوم العشائرية طريقة في الحكم، أو سلوك سياسي، أو اجتماعي يعتمد على ذوي القربى بدلًا عن الاعتماد على ذوي الخبرة والقدرة ممن يتمتعون بثقة الناس واحترامهم أو يكون لهم نوع ما من التمثيل الديمقراطية الحر.

الغنيمة: يقصد الجابري الدور الذي يقوم به العامل الاقتصادي في المجتمعات التي يكون اقتصادها قائمًا أساسًا وليس بصورة مطلقة الخراج والريع، وليس الإنتاج.

فهو يقصد بالغنيمة هنا ليس فقط مصدرها من خراج أو ريع، بل يقصد كذلك طريقة صرفها، وبالخصوص العطاء الذي يعيش منه أهل المدينة، ومن تعلق بهم بتعبير ابن خلدون، أضف إلى ذلك ما ينتج عن العطاء عن عقلية ريعية تتعارض تمامًا عن العقلية الإنتاجية، إذ بينما ترى الأخيرة أن العائد أو المكسب هو نتيجة لعمل إنساني منظم، وكجزاء على الجهد، أو مقابل تحمل المخاطر، يندرج التصور المتكامل للنظام الإنتاجي بالعقلية الربيعية في العائد والمكسب رزقًا أو حظًا أو مصادفة، يرتبط بالظروف أو القدر، وليست حلقة عملية إنتاجية، وما يرتبط بها من جهد ومخاطر.

العقيدة: لا يقصد الجابري مضمونًا معينًا، سواء على شكل دين موحي به أو على صورة أيديولوجيا يشيد العقل صرحها، وإنما يقصد أولا وأخيرًا مفعولهما على صعيد الاعتقاد والتمذهب.

إن موضوعنا هنا هو العقل السياسي والعقل كما هو معروف منذ أرسطو عن الاعتقاد وليس البرهان.

حسب الجابري هذه المحددات الثلاثة للعقل السياسي العربي سيفشل عملية انتقال من القبيلة إلى الدولة المؤسسات.

بالإضافة للعروي أن الإرث الثقافي الإسلامي والنظام العشائري والحرفي القائم في مناطق واسعة من الوطن العربي يحملان في كنههما بعض مكونات السلوك الفوضوي الرافض العنف الدولة الحديثة التي تحتكر السلطة.

الشق الثاني: فشل الحركات التحرير الوطني في تغير أحوال الأمة وبناء الدولة الوطنية وتحديث المجتمع، بل جعلت نفسها وسيطًا بين البلاد والاستعمار.

حسب تعبير فرانز فانون فإن البرجوازية الوطنية في أوطان متخلفة ليست متجهة نحو الإنتاج والابتكار والبناء والعمل، وإنما هي تنفق نشاطها كلها أعمال نوع من الوساطة.

لقد فشلت الحركات التحرر الوطني في الصومال في تحقيق الأهداف التي ناضلت من أجله وهي التحرر من الهيمنة الغربية، وبناء الدولة الوطنية، ولعل ما يفسر هذه الفشل ارتباط مصالح السياسيين الصومالين بالمصالح الاستعمارية، واكتفوا بنوع من الوساطة، وظل يركزون على تحقيق مصالح شخصية عبر استثمار الشركات الأجنبية خاصة الإيطالية، وساهموا في أيصال رأس مال الشعب الصومالي إلى الشركات الاستعمارية، وأرسلوا أولادهم إلى أوروبا ليتعلمو على حساب هذه الشركات ليستلموا زمام الأمور في البلاد مستقبلًا، وقد بدى ذلك جليًا في أكثر من موقف، ومنها على سبيل المثال ما أوضح وزير التجارة والصناعة في حكومة السيد: عبد الرزاق حاج حسين في خطاب ألقاه أمام الجمعية الوطنية في الثامن عشر من مايو (أيار) عام 1966، مشيرًا في خطابه إلى بعض المسؤولين الكبار في الدولة الذين تقدم لهم الشركات الأجنبية أسهم الشرف، والتي هي بطبيعة الحال مقابل رفض الحكومة مشروع القوانين المتعلقة بصوملة الوظائف والمناصب في المؤسسات والشركات الأجنبية في الصومال.

لناخذ مفكر النيجيري بيتر إيكيه، الحالة الاستعمارية، حيث ترتبت المستعمرة على أساس وجود عالمين: المستعمر بكسر الميم، والطبقة الموالية له، والشعب الآخر متمثلة في كافة الشعب الذين لم تشملهم الحداثة. حيث أصبحت الطبقة العليا فى هذه البلدان (وهي كمبرادورية الطابع) متماهية مع خطط الرأسمالية العالمية فى عملية إقصاء الفقراء اقتصاديًا وثقافيًا، ومن ثم لم يعد هناك مكان لعملية اجتهاد أو صياغات دينية متقدمة فيما يسمى بالتنوير أو الحوار الحضارى كمنتج للحداثة المصحوبة بعناصرها الكولونيالية، بل هناك جهاد وعنف يمثلان أدوات (المطلقات) الحديثة، وهي أدوات لا يلتقى عندها المنطق طالما أن الرأسمالية القائمة على (العقلانية) لم تعد تصدر لبلداننا إلا اللاعقلانية، ولتصبح الماضوية أو الجهادية، بعد فراقها لتراثها كحركات تحرر سابقة، كما سيأتي في الصومال عندما فشلت حكومة سياد بري في توحيد الشعب الصومالي، وإنشاء الدولة الوطنية ديمقراطية تشمل كافة الشعب الصومالي، ستبرز الساحة الصومالية الجبهات القبلية والسلفية الماضوية كردة فعل بفشل الدولة الوطنية؛ مما سيودي إلى حروب بين الجبهات من جهة والدولة من جهة أخرى؛ مما سيؤدي إلى إسقاط الدولة، وبدء حروب أهلية، والفوضى العارمة في البلاد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد