يعاني الوجدان مني أحيانًا، فيقودني العقل، في مشهد موازٍ؛ عله يخفف من قسوة التفكير، ولا يجافي مضمونه، في نفس الوقت؛ يسير بي التفكير إلى مشهد يوزع فيه شاب أو شيخ أو امرأة أو حتى طفل، على الجمع المتعجل في «حافلة/ أتوبيس» تمضي بسرعة لا ترحم الواقف، من كثرة تحركها، وواحدهم يوزع كتيبات هنا أو هناك غير مبالٍ بترنحه.

افتقدنا، في الغربة، هذه التصرفات التلقائية البسيطة التي ما تفتقد المهارة، أما الكُتيب ذي الجنيه الوحيد، أو أقل من عُشر الدولار، فيحمل عنوانًا من مثل: كيف تكتب المقال؟ أو تتكلم الفرنسية بدون معلم؟ وأحيانًا الإنجليزية أو الإيطالية؟ وهلم جرًا عشرات العناوين التي ما تنتهي، ولاحقًا أخبرتني إحدى رائدات الجراحة في طب القصر العيني أنها تعلمت الفرنسية من أحد هذه الكتيبات بالفعل لكنها فشلت في تعلم «فن» كتابة المقال!

أسأل نفسي كثيرًا بعد قراءة مقال لأحد الشباب، وأحيانًا أكبر سنًّا ماذا أراد أو أرادتْ أن تقول؟

ثم ألتفت إلى الناحية، وهي عادة قديمة كلما أردتُ استجلاء حقيقة فكرة أو رأي، قائلًا لنفسي:

ـ هلا تمهل قليلًا قبل أن يكتب؟!

ثم أهتف «بها/ النفس» ثانية في أحيان أخرى نادرة أو غير نادرة:

ـ تمهل أو لم يتمهل.. يبدو أنه لا فرق!

في طريقي إلى عمل حكومي في القسم الأول من حياة صاحب هذه الكلمات، فيبدو أن علينا أن نستسلم إلى فكرة أن الحياة أقسام بالفعل، كنتُ أركب حافلة للنقل العام، وكنتُ أذهل لما كان «المحصل/ الكمساري» يقول:

ـ تعبنا فقد «لمّت» المهنّة!

وكلمة «لمّت» بالمصري أي جمعتْ من يستحقون القيام بها على غير أصولها، قبل غيرهم، وكنتُ أتعجب كلما قيلت أمامي، فمهمة المحصل، مع الاحترام، هي مهمة أي «ماكينة» في الحافلات الأوروبية أو شبيهاتها، فما آداب المهنة إذًا؟ فما على الرجل إلا أن يقطع تذكرة ويأخذ مقابلها، ويأمر الواقفين من حين إلى آخر، في بلد يفرض الزحام عليه «خصوصية» نادرة، يأمرهم بل يزجرهم للتقدم ليذوبوا في الزحام في الداخل حتى يسمحوا للواقفين على الباب بالعبور إلى الأمان، وأحيانًا يحذر الركاب من النشالين.

وفي العمل الحكومي كان الشعار المرفوع بين الزملاء والمديرين:

ـ المهنة «لمّت» الذين يفهمون فيها والذين لا!

وفي المهنتين مع الفارق والاحترام لشرفائهما كان الشعار الأبرز هو المهنة التي جمعتْ من لا يستحق قبل الذي يستحق، ومما لا شك فيه أن مهنًا عدة لمّت بالعامية المصرية شبه المُفصحة، حتى إنني مؤخرًا سمعتُها من رئيس تحرير موقع شهير عن «كُتّاب» المقال، لكنه قالها بلطف أكثر:

ـ صارت كتابة المقال مهنة من لا مهنة له!

قالوا إن الأديب الراحل «يوسف إدريس»، وسواء أتفقتُ أم اختلفتُ مع أفكار وكتابات له فقد أوتي الراحل موهبة، عاش «إدريس» يكتب القصة والرواية والمسرحية، فلما رأى الواقع مُلحًا ضاغطًا عليه، كفّ وامتنع عن كتابة الإبداع وصار يكتب المقالات في جريدة  «الأهرام»، مما جر عليه معارك لا حصر لها، فالأفكار التي كان يجعل لها معادلًا موضوعيًّا في القصة وغيرها، صارت تتسرب منه، هنا وهناك دون «فنية» تحميه من فهم عدد غير قليل من معارضيّه. وقد استفزت مقالات مباشرة واضحة له خصومه بالرد القاسي بالتالي عليه، وبيان الصواب، ويكفي أن الراحل استفز شيوخ الأزهر لما تعرض للشيخ الراحل «محمد متولي الشعراوي»، واستفز الأديب الراحل «نجيب محفوظ» وطوفان الأدباء لما تعرض لـ«نوبل محفوظ» في الآداب!

ولكن الرجل كان لا يتنازل عن فكرة طالما أعلنها، وكان الأمر لافتًا للنظر، حتى إنه اصطدم بالراحل «أنيس منصور» على الورق، فنبهه الأخير إلى أنه يقول في الواقع ما لا يكتب؛ وهدده بالاستشهاد ضده ببعض ركاب «المصعد» في الأهرام ممن حضروا الكلمات المخالفة لما يكتب!

لماذا ساق صاحب هذه الكلمات كل ما سبق من معلومات؟!

ربما للقول من طرف خفي أن المقال لم يكن من فضول القول أمس، فلماذا وصل إلى هذا المصير الآن؟

تدور بخاطر البعض أفكار أو «مجرد حركة عقل» برأي صحفي كبير السن، فيبادر إلى لوحة المفاتيح «الكيبورد» ليكتب، ولما تقرأ تتعجب كيف سمح لنفسه بأن تكون مثل هذه الكلمات العابرة معبرة عنه؟ أو أن يضع اسمه عليها، فمن ناحية الشكل لا تآلف يؤدي إلى معنى، ومن ناحية المضمون لا عمق أو حتى تدبر فيما يكتب!

مقالات «يحيى حقي» رحمه الله كانت كسلاسل الأحجار الكريمة، بخاصة «كنّاسة الدكان» فهل قرأ كُتّابنا الصغار؟ أم أن أقل معرفة برئيس تحرير موقع أو حتى عملهم به، وبفن المجاملات تضمن النشر لهم؟!

ومن قبل كانت مقالات «مصطفى صادق الرافعي»، كأنها وحي بعد الوحي برأي «سعد زغلول»، وكان هذا في بداية نهضة ومحاولة تحرر الأمة، كان من المفترض أن تؤتي ثمارها اليوم، ومن بعد كانت مقالات، حتى مقالات «أنيس منصور» سلاسل من تدفق لغة وأسلوب ومعانٍ، وإن اختلفنا مع مضمون كثير منها.

من أقر في أذهان «بعض» مسئولي تحرير مواقع وصحف اليوم أن المقال نوع من أنواع العمل الصحفي «ينهض» بمثل ما ينهض به العمل الخبري السريع من: تراكيب سردية ولغوية وأحيانًا خبرية تدل على خبرات في تافه الأمور؟

ولماذا يفهم البعض أن المقال ليس دربًا من الأدب، أو حتى الكلام شبه المفيد؟ وأنه بعد حين، وإن كان بعيدًا، لا ينبغي للمقال أن يرتمي في «المخزن الرهيب» المسمى أرشيفًا؟

بل إنها كلمات تشهد على روح العصر وذائقة صاحبها.

هلا فكرنا قليلًا في نتاجنا وكلماتنا قبل الزج بها إلى المواقع والمطابع، وكفى ما نحن فيه من موقع حضاري؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد