«هي مراحل تاريخية مهمة ومفصلية إلى حد بعيد ولا تعكس أي موقف شخصي مني، حيث إذا فعل بومدين كل هذا وفتح باب جحيم الانقلابات في الجزائر وتفنن في القضاء على خصومه وهو ما سنتطرق إليه في تكملة هذه الأسطر لماذا يقدسه الجزائريون إلى هذا الحد ولهذه الدرجة؟».

هذه العبارة أنهيت بها الجزء الأول من مقالي، لأنبه لنقطة مهمة هي أنني باعتباري مهتمًا بالتاريخ لا ولم أحكم على الرجل في وطنيته أو حبه للوطن، بل هو سرد لمراحل تاريخية تلت استقلال الجزائر بعد 130 سنة من احتلال متكالب على كل ما هو جزائري.

19 يونيو (حزيران) 1965 م تاريخ إزاحة الرئيس أحمد بن بلة من طرف قائد أركان الجيش العقيد هواري بومدين، كما ذكرت مسبقًا أن بومدين فعلا تأثر بتجربة ثورة يوليو (تموز) في مصر سنة 1952م عندما أزاح عبد الناصر فاروق الأول ونصّب محمد نجيب رئيسًا ثم ما لبث انقلب عليه.

صدم ابن بلة بعد انقلاب بومدين عليه، حيث اكتشف أنه يقف وحده ضد العقيد هواري بومدين الذي أمسك بزمام الأمور، من طبيعة ابن بلة أنه «عاشق» لهتافات الجماهير، لكن في تلك اللحظة أي لحظة الانقلاب لم يجد جماهير تنصره ولا هتافات تحييه.

الفترة التي تلت «انقلاب» 19 يونيو 1965 أو كما يسميه الموالون له بـ«التصحيح الثوري» ليس إلا تبريرًا لفعل أساء لبومدين ومكانته بشكل كبير وبقت نقطة جدال في تاريخ الجزائر عمومًا وفي تاريخ الرجل وفترة حكمه خصوصًا، فقد شهدت معارضة شديدة لحكم بومدين من عدة جهات خاصة من حكومات ودول أجنبية، بالإضافة إلى أنها كانت مرحلة توزيع أدوار بالنسبة لمن سيطروا على الدولة، شكّل الرئيس الراحل هواري بومدين حكومته بعيدًا عن بن بلة وحكمه فيما نصّب نفسه رئيسًا لمجلس الثورة ورئيسًا للحكومة، بالإضافة لمنصبه وزيرًا للدفاع وقائد القوات المسلحة.

جمع بومدين بين عدة مناصب وزارية ومسؤوليات كبيرة في الدولة وهو نفس الأمر الذي قام به ابن بلة حيث صار وزيرًا للخارجية والشباب، وهذا الأمر الذي رفضه بومدين وجعله يصف بن بلة بـ«الطاغية» لكنه كرّسه للأسف في ظروف لا نعرفها ولم تحدد لحد الآن.

بعد هذه الأمور التي تعتبر ليست بالأمور العظيمة أو الكارثية حتى ولو أنها أساءت لتاريخ الرجل الذي يمثل أيقونة تاريخية ومثالًا يحتذى به في الوطنية والتفاني في خدمة الجزائر، إلا أن الأمر الجلل والذي كان له تأثير مباشر على الجزائر ونظام الحكم فيها.

كرّس بومدين فئة على فئة الفئة الأولى هي فئة الضباط الفارين من الجيش الفرنسي الذي عيّنهم في مناصب جد حساسة ومؤثرة في الجيش الجزائري الذي يعتبر عصب الحكم في الجزائر، الفئة الثانية هي فئة المجاهدين وهي الفئة الأضعف، حيث تقريبًا غابوا عن الساحة السياسية وهذا بالموازاة مع إهمال لحزب جبهة التحرير الوطني الذي عرف عدة أزمات بعد تلك المرحلة.

زادت قوة التيّار الفرانكوفيلي، على حساب تراجع التيار العروبي القومي داخل دواليب الحكم في الجزائر وخاصة بعد فناء وتبديد ما يسمى بـ«معاهد التعليم الأصلي» الذي يعتبر امتدادًا للمدرسة الباديسية الجزائرية، تداخلت الأمور ببعضها وتشكّلت حواجز أيدلوجية بين الطرفين، ما يقابل هذا عين على رأس وزارات الهوية والتعليم أكثر الأشخاص تشددًا لفائدة التيار الأقوى وهم الثلاثة (عبد اللطيف رحّال، مصطفى الأشرف، رضا مالك) على رأس كل من وزارات التعليم العالي، وزارة التربية الوطنية، وزارة الثقافة.

من الأسئلة التي يجب أن تطرح، ما مدى تأثر هذه الفترة على مسار التعريب في الجزائر؟ وكيف أثرت هذه الفترة وما قبلها وما بعدها على مسار الحكم السياسي في الجزائر؟ في نهاية هذه الحروف، أكرر أن ما قلته سابقًا هو تذكير وتنبيه لعدة مراحل تاريخية ساهمت بشكل كبير في رسم ملامح جزائر اليوم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد