تذكرت حكاية قديمة لجحا عندما رأيت بعض البشر (مجازًا) ينهالون بالسب والقذف واللعن والاتهامات للفرق الطبية بسبب مطالبتهم بحقوقهم المشروعة في توفير الواقيات الطبية لمكافحة العدوى، وتوفير أماكن لعلاج من يصاب بالعدوى من الفرق الطبية، المهم أن الحكاية تقول: (ذات مرة جحا خرج من بيته لم يجد حصانه الذي كان مربوطًا عند بيته وتجمع حوله الناس وأخذوا يتهامسون فيما بينهم، فأطلعهم جحا على أمر سرقة حماره وتساءل أحدهم: (ليه يا عم جحا مربطتش الحصان كويس؟!)، وتساءل الآخر (وإيه اللي خلاك متحطهوش في الحظيرة مع باقي البهايم؟!، وتساءل أحدهم : (مش تلبسه حدوة تقيلة شوية؟!)، جحا رد قائلاً: (الغريبة إن مفيش حد فيكم جاب سيرة الحرامي أو جاب اللوم عليه!)).

مريضة تجازوت الستين بسبع سنين تم تشخيصها كحالة غيبوبة كبدية حالتها لا تبشر بخير منذ يومين سابقين، أثناء مروري بالعنبر يختنق نفسها سريعا، وفي لحظة يتجمع حولها كل من العنبر، يتحول العنبر ليوم قيامة الكل شاخصة أبصارهم يترقبون قدومي هذا الطبيب العبقري الذي جاء ليتعارك مع عزرائيل ويعطي الحياة ثانية للسيدة ويحاول استرجاع الروح، حيث السر الإلهي الذي أودعه الله أمانة لتعمل أعضاؤنا بشكل متناغم حتى يحين وقت خروجها لتذهب لخالقها، وضعت السماعة لا أصوات للقلب والنبض يهرب من تحت أصابعي ويختفي تمامًا.

 لم يجد هذا العبقري سوى البدء بالإنعاش القلبي الرئوي سريعًا بشكل متواصل، في مزيج فريد من العجلة والقوة كانت قبضة يدي تتشابك وتنتاغم لتكون قبضة واحدة قوية لبدأ الإنعاش بالضغط على القفص الصدري لا أمل يبدو في الأفق حتى الآن، بدأت في استكمال الإنعاش فوق قفصها الصدري الذي ينضغط تحت يدي، الإنعاش مدته تتواصل لساعة إلا ربع، عرض عليّ أحد الممرضين أن أستريح قليلاً ولكني رفضت فلم يصبني التعب بعد، لم تمر 10 دقائق وكأن الله رأى بعين رحمته ما نفعله معها، فأعاد الروح إليها شعور لن تقدره إلا وأنت شخص مسئول عن رعاية حالات تذهب روح إحداهم بعيدا عن جسدها وتسترجعها بإرادة الله لجسدها خرجت مزهوا لعائلتها قائلا: (الحياة رجعتلها تاني) التقطوا أنفاسهم واستكملت طريقي لأعود لأدراجي للقسم فلا مجال للراحة في قسم الباطنة، لتتلقى أذني صوتًا ينادي عليّ: يا دكتور، توقفت لأسأله ما به، فأجاب علي قائلا: (يعني روحها مطلعتش؟) فجاوبته (لا يا عم طلعت روحك أنت)، ما حدث ببساطة هو توقف القلب والتنفس في حين أن المخ ما زال به بقايا من الحياة، وفي أحيان قليلة يستعيد القلب قدرته على النبض ويعود الإنسان للحياة مرة أخرى، فوظيفة الطبيب هي مواجهة عزرائيل الذي يعمل (قابض أرواح مقيم) فيحاول أن ينقذ المريض من يد عزرائيل، من يفعل ذلك ليست الملائكة، بل بشر بثوب الملائكة وروح تتشبع بالرحمة!

الطبيب قضى سنوات دراسته وسنوات تعليمه في تعلم كيفية مواجهة الموت وهزيمته وإبقاء المريض على قيد الحياة، حتى وإن اضطر في سبيل ذلك إلى التخلي عن بعض أعضاء الجسم مثل استئصال الزائدة الدودية واستئصال الطحال في حالة الحوادث وحالة النقص الشديد للصفائح الدموية وغيرها، تلك هي مهمة الطبيب التي تبرمج عليها وعي الطبيب، الموت يعتبر هزيمة للطبيب هو العدو الأول واللدود للطبيب، ولقد تمسك الأطباء كثيرا بأخلاقيات ملائكية إلى أن ترسخ في أذهان الناس بأنهم ملائكة فعلًا، وأصبح الطبيب وخاصة الطبيب الشاب أمام منعطف بأن يسلك مسلك البشر الذي له حقوق مادية ومعنوية للأمان المادي من أكل وشرب والزواج، وأمان معنوي من تقدير وامتيازات أو مسلك الملائكة فتتخلى عن كل شيء، في ظل وجود من لا يحترمون الملائكة ولا يقدرون البشر، ستظل تلك المشكلة حصرية للأطباء، فلا هم أهل سلطة ولا أهل بطش ولا أهل عصمة عن الخطأ والزلل، ولكنهم أهل رحمة!

وفي النهاية بعض الناس (المش ولابد) الذين يكيلون لنا الاتهامات والسباب بلا أي مبرر، ليس أمامي سوى الكتابة للرد على أمثال هؤلاء، فليس لنا القدرة على مجاراتهم في الواقع صامتين وينتهي الأمر بالصمت مع ابتسامة بليدة، فالطبيب الذي يُهان يمتلك مهارة في تخصصه وهو (سلعة) مطلوبة في كل العالم، فإن عاملته بسوء فهو يستطيع الاستغناء عن خدمتك، ولكنك تكذب إذا قلت إنك تستطيع الاستغناء عنه، ولا بد من منحه ما يستحقه من اكتفاء مادي واحترام!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الأطباء, يموت
عرض التعليقات
تحميل المزيد