البسطاء هم ملح الأرض، ووقود الثورة، لا تنجح ثورة شعبية بدونهم،هم الذين حولوا مظاهرات يناير إلى ثورة شعبية، وهم وحدهم القادرون على إشعال ثورة شعبية أخرى في مصر إذا أرادوا.
فلماذا لا يثورون من جديد؟

هناك سببان رئيسان يحولان دون اندلاع ثورة شعبية في مصر رغم توافر كل أسبابها:

السبب الأول أن الإعلام الداعم للدولة العميقة نجح فى أن يربط الثورة في أذهان البسطاء بالفوضى، فأصبحت تعني لهم الانفلات الأمني وانتشار البلطجية والسرقة بالإكراه وتوقف الأرزاق وتدهور الخدمات.

والسبب الآخر الذى يحول بين المصريين والثورة، هو الانطباع الذي ساد عنها بسبب النخب الثورية هذه المرة، وإعلامهم الذى ظل يردد دائمًا على أسماعهم أن الثورة لم تحقق أهدافها، وأنها لم تقدم شيئًا للناس، وأن حياتهم لم يطرأ عليها أي تحسن بعد الثورة، وهذا على خلاف الحقيقة، فعلى الرغم من أن الثورة لم تحقق كل ما قامت من أجله، إلا أنها حققت بعض الإنجازات التي تغفل عنها النخب الثورية فى إطار صراعاتهم الأيديولوجية.

فالثورة كانت سببًا رئيسًا فى زيادة المرتبات أكثر من مرة، والثورة فى أيامها الأولى على الأخص نجحت فى منع الرشوة إلى حد كبيرفى مؤسسات كانت مشهورة بين الناس بالفساد، الثورة أعادت للمواطن المصرى جزءً كبيرًا من كرامته المفقودة عبر عشرات السنين، وأي منصف يعرف أن هناك فرقا كبيرا بين تعامل الشرطة، وكل أجهزة الدولة، مع المواطن المصري بعد ثورة يناير، وبين تعاملها معه قبل ثورة يناير، وبعد انقلاب 3 يوليو. ولكن رغم كل هذا، وبسبب ما ردده أبناء الثورة قبل أعدائها، فقد اقتنع البسطاء أن الثورة ما هي إلا فعل عبثى باهظ التكاليف، ليس له أي أثر ايجابى ملموس على حياتهم، اقننع الناس أن الثورة لن تقدم لهم شيئًا، لن تحسن ظروف معيشتهم، لن تقدم لهم حياة أفضل، هى فقط ستجعلهم يعانون من الانفلات الأمنى، ومن الفوضى ومن البطالة.
صارت الثورة شرا لا يرتجى من ورائه خير.

فبربك لماذا يثور المصريون؟ إن الثورة في هذه الحالة لم تعد شجاعة أو وعيا، ولكنها أصبحت حماقة؛ لماذا أخسر ما لدي، حتى وإن كان قليلا دون أن يكون هناك أي مكسب محتمل يستحق المغامرة من أجله؟ لقد نجح أعداء الثورة فى إقناع الناس بفداحة تكاليف الثورة،ونجح أبناؤها في إقناعهم بعدم جدواها.

ثورة يناير لم تحقق أي شيء للمواطن، فلماذا يثور مرة أخرى؟ ثورة يناير جلبت الخراب للناس فلماذا يثورون مرة أخرى؟
لن يثور الشعب إلا إذا أيقن أن الانفلات الأمني لن يتكرر، وأن هناك من يستطيع أن يسد الفجوة الأمنية إذا حدثت، ولن يثور الشعب إلا إذا أيقن أن الثورة حققت له بالفعل بعض الإنجازات، وأنها إذا استعادت مسارها وصححت أخطاءها، فإنها ستحقق له ما يتمناه من حياة كريمة، ودخل مناسب، وتعليم جيد لأبنائه، ورعاية صحية مميزة، ومواصلات وطرق آدميه، ودولة تسهر على راحته وأمنه واستقراره.
عندها فقط سيثور المصريون، عندما يوقنون أن مكاسبهم من الثورة أكبر وأهم من خسائرهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد