مع موجات الهجرة السورية تعاطف الشعب التركي مع اللاجئين السوريين وأبدى مواقف غاية في الإنسانية من قضايا اللجوء والهجرة، وفي السنوات الأخيرة بدأ الوضع يتغير نحو الأسوأ، بدأ التركي ينفر من السوري، وزاد الأمر أكثر من ذلك بقيام شريحة من المجتمع التركي بإيذاء الإنسان السوري فقط لكونه سوريًا، فبدأت حملات منظمة في كثير من الولايات الكبرى للاعتداء على ممتلكات السوريين ومحالهم التجارية، مع تبرير إعلامي وجماهيري كبير لهكذا أعمال لا أخلاقية، وبلغ الأمر في بعض المناطق إلى الاستهانة بأرواح السوريين وإنسانيتهم، ولم يقتصر ذلك على المدنيين بل وصلت العدوى إلى الموظفين الحكوميين وبعض المؤسسات الرسمية، حتى قامت بعض قوات الشرطة بتشتيت عوائل كثيرة من خلال القبض على معيليها بطرق غير قانونية، ورميهم في الأراضي السورية، وترك الزوجة بلا زوج والأطفال بلا أب، أو حرمانهم من الإقامة في مدينة واحدة بسبب اختلاف مراكز إصدار البطاقات الشخصية.

ما الذي تغير في تركيا؟ وكيف حدث ذلك؟

عندما كان الاقتصاد التركي جيدًا لم يكن الأخوة الأتراك يخشون من قدوم السوريين شيئًا، كان الشعب التركي واثقًا من نفسه وقدرته على استيعاب اللاجئين وإفساح المجال لهم للعمل والعيش المشترك. ولكن المجتمع التركي نفسه عندما أصابته الأزمة الاقتصادية ضَعُفَ، وفقد الثقة بنفسه اقتصاديًا، ثم ثقافيًا واجتماعيًا وسياسيًا، واستغلت بعض فئات المجتمع شعوره بالقلق فأوهمته – بغيا للفتنة والمكاسب السياسية – أن السوريين هم السبب، فشاعت مقولات وأفكار سلبية كثيرة، مثل: (انظروا إلى السوريين لقد أكلوا البلد!) (وسيطروا على الاقتصاد!) (ولم يكتفوا بذلك حتى حاولوا انتزاع هوية إسطنبول وتغيير ديمغرافية المدن الكبرى!)، بل وصل الأمر إلى الهجوم على العرب جميعًا على لسان رئيس بلدية إسطنبول بسبب استثماراتهم الواسعة في المجال العقاري في إسطنبول، بدلًا عن أن يتقدم بالشكر إليهم!

ما الذي تغير؟

الحقيقة أن ثقة الأتراك بأنفسهم كانت نابعة من قوتهم الاقتصادية أصالة، وعندما فقدوا هذه القوة فقدوا معها الثقة بأنفسهم وبدأوا يشعرون بالخوف من كل شيء.

كيف تعامل الأتراك مع اللجوء السوري؟

عندما بدأ بشار الأسد الحرب على الشعب السوري الذي يطالبه بالإصلاح؛ كانت تركيا أولى وجهات السوريين، استقبل الإخوة الأتراك اللاجئين الفارين من الحرب أحسن استقبال وساعدوا الفقراء منهم في الاستقرار، كان اللاجئ السوري الفقير يأتي هاربًا بعائلته من إجرام الأسد؛ فيدخل المدينة التركية ويستأجر فيها بيتًا، وخلال يومين يقوم أهل الحي بالتبرع له بما فضل عن حاجاتهم من فرش وأسِرَّة وسجاد، فيبدأ العمل ويعتمد على نفسه، وهؤلاء نسبة قليلة من اللاجئين، وأما الأكثرية فقد نقلوا أموالهم وأعمالهم إلى تركيا وأسسوا حياتهم بأنفسهم دون مساعدة أحد.

كان هذا وضع السوريين حتى 2014، بعد ذلك أصبح اللجوء السوري طبيعيًا ومعتادًا حتى عام 2016 فلم يعد التركي يتعاطف ولا يرفض، فقد أصبح اللاجئون جزءًا من الحياة التركية يعملون بأجور منخفضة ويعيشون حياتهم كفافًا، وبعضهم بحث عن الفراغ في السوق التركية في مجال الشركات الخدمية والطعام واللباس فأسس عملًا صغيرًا وكبر شيئًا فشيئًا حتى تحول إلى شركة كبيرة.

مع بداية 2017 كان الاقتصاد التركي يتراجع بسرعة واضحة تبعًا لاضطراب الاقتصاد العالمي وللأزمات الداخلية التركية بدءًا من خلاف جماعة غولن مع الحكومة التركية حتى الانقلاب، ثم الأزمات التالية داخل حزب العدالة والخلافات الدولية، ثم قدوم ترامب إلى السلطة، حيث قرر تدمير كل حلفاء أمريكا في المنطقة لصالح صديقه بوتين، فأشعل الحرب بين دول الخليج وقطر، ثم بين الخليج وتركيا، فانهار الاقتصاد التركي بسرعة كبيرة، وبدأ الأتراك يشعرون بقلق بالغ، وبدأت المعارضة تبحث عن طريقة لتوظيف هذا القلق في معركتها السياسية ضد الحزب الحاكم الذي تبنى الثورة السورية واللاجئين.

أثر الاقتصاد على النفسية التركية

لم يجد حزب الرئيس أردوغان أفضل من الاقتصاد كوسيلة لكسب تأييد الجماهير، لم يكن الاقتصاد هدفه، بل كان وسيلته لتجميع الجماهير حول تركيا، الدولة المستقلة والعظمى التي يبغي صناعتها، وقد نجح في ذلك أكثر من 15 سنة. وهكذا شعر الشعب التركي بنفسه قويا في كل شيء تبعًا لقوته الاقتصادية، فاستقبل اللاجئين غير خائف من تأثيرهم الاقتصادي والثقافي والاجتماعي والسياسي لأنه أقوى من أن يتأثر 80 مليون بـ4 ملايين، بل كان يشعر بنفسه قادرًا على استيعاب 10 ملايين آخرين.

بوجود حزب العدالة على رأس السلطة واجتماع الشعب عليه بسبب الرخاء المعيشي بالدرجة الأولى؛ بدأ ميزان الاقتصاد يحكم كل شيء في حياة الأتراك الشبان والكبار على السواء، فالتركي يشعر بنفسه قويًا ثقافيًا واجتماعيًا بمقدار ما يشعر بنفسه قويًا اقتصاديًا، ويشعر بنفسه ضعيفًا بمقدار ضعفه الاقتصادي، وهكذا غدا الاقتصاد محور الحياة التركية. ومع تراجع الاقتصاد التركي لأسباب داخلية وخارجية عدة؛ بدأ الشعب التركي يشعر بالضعف في كل شيء ثقافيًا واجتماعيًا وأخلاقيًا، وبدأ الخوف يسيطر عليه، الخوف من كل شيء، الخوف من الحاضر ومن المستقبل الغامض.

كيف تعامل الأتراك مع الخوف؟

عندما يشعر الإنسان بضعفه يبدأ بالخوف، وفي هذه الحالة تجد الناس نوعين:

النوع الأول: واثق بنفسه، يجلس بهدوء يفكر في أسباب ضعفه، ثم يبدأ بالعمل على تلافيها، ولا يسمح للخوف أن يتسلط عليه ويدفعه إلى الاضطراب والعشوائية. النوع الثاني: غير واثق بنفسه، يضطرب ويبدأ بالركض يمينًا وشمالًا، فيصرخ ويرى في كل شيء يقابله عدوًا محتملًا.. وقد يقتل نفسه من خوفه قبل أن يقتله عدوه.

الشعب التركي ككل شعوب العالم فيه الواثق بوطنه وشعبه وغير الواثق. وقد استغلت بعض الجهات السياسية التركية – وعلى رأسها حزب الشعب الجمهوري – خوف البعض واضطرابهم وعدم قدرتهم على التحليل؛ وحولته باتجاه السوريين، فصورتهم سببا لكل المشاكل المادية والاجتماعية التي بدأ يعانيها التركي إثر التضخم وتراكم الديون، لا هدف لهم من ذلك إلا النكاية بحزب العدالة والتنمية الذي يميل إلى استضافة السوريين وتبني قضيتهم.

كيف استطاعت المعارضة استغلال الشعب التركي؟

الشعب التركي عاش عشرات السنين تحت الفساد والاضطراب والفتنة الداخلية وحكمته المافيا والسلطة الفاسدة سنين طويلة، وجاء حزب العدالة بفكر أكثر تطورًا من فكر عموم الشعب وحقق قفزة نوعية في حياة الأتراك، ولم يرض الشعب أن يقفز مع الحكومة إلا بسبب الاقتصاد. لقد قفزت تركيا في الهواء حتى تعجب الناس من قدرتها على ذلك، ولكن مع الأسف بقيت تركيا من الأسفل كما هي، قوانين قديمة، إدارات بيروقراطية، ثقافة شعبية متأثرة بسلطة العسكر وأيام المافيا، فلم تستطع أن تنهض في كل المجالات كما نهضت اقتصاديًا. ومع بداية التراجع الاقتصادي بدأ الشعب يشعر بالخوف وبدأت أمراضه القديمة تعاوده، إذ ما زال شطر الشعب التركي تقريبًا يعيش بأخلاقيات ما قبل النهضة، في حين استطاع نصفه الآخر تغيير طريقة تفكيره بما يتناسب مع تركيا الجديدة. وقد استغلت المعارضة النصف الذي ما زال يعيش بعقلية الخوف لتوجهه ضد الوجود السوري المرتبط بسياسة الرئيس أردوغان.

خطاب الكراهية!

الأحزاب التي لا يملك المنتسبون إليها ثقة كافية بالدولة التركية وشعبها تجد لديهم خوف حقيقي وعميق من الـ4 ملايين لاجئ، يرى أحدُهم سوريا يمشي على الأرض فيراه لِصًّا يريد أن يسرق رزقه أو عمله، وأصبح من المعتاد أن تمر عجوز أمام مطعم أو محل سوري فتشتم الجالسين فيه لأنهم بحسب قولها هربوا من بلدهم وجاؤوا ليؤسسوا حياة فارهة في إسطنبول.

يمر رئيس بلدية إسطنبول في منطقة تقسيم الشهيرة فيرى شارعًا فيه الكثير من السياح العرب الذين ينفقون ملايين الدولارات سنويًا في إسطنبول فيصرخ في عنصرية بالغة: لقد غير العرب هوية إسطنبول! وهو محق، لأنه خائف ومرتعب، ويمر في أسنيورت، وفيها شارع للسوريين من أصل مئات الشوارع الخاصة بالأتراك، فلا يرى من هذه المئات إلا شارعًا واحدًا، ويصرخ لقد أكل السوريون إسطنبول. إنه يعبر عن الخوف والفراغ الذي يشعر به في داخله، إنه لا يثق بشعبه ولا وطنه ويرى أن 4 ملايين سيأكلون دولة يسكنها 80 مليون، وينسى أن ألمانيا لا تساوي نصف مساحة تركيا وتستضيف ملايين الأتراك والمهاجرين ولم يأكلها أحد.

لقد أثر أمثال أكرم إمام أغلو وكلشتار في الشعب التركي فبدأ الكل يخاف ويصرخ.. وهكذا تم تحويل نظر الشعب من الأسباب الطبيعية للهبوط الاقتصادي إلى اللاجئين السوريين.

بدأ التركي الذي يملك الملايين يشعر بالرعب من سوري يفتتح دكانًا بـ10 آلاف دولار، والذي تبلغ عائلته عشرات الأشخاص من إخوة وأولاد إخوة أيتام، يشعر بالرعب من امرأة أرملة قتل زوجها في سوريا تمر في الشارع تصطحب أربعة أطفال، وبدأت بعض مشافي التوليد تطرد امرأة سورية جاءها الطلق فقط لأنها سورية، ولأن السوريين يتكاثرون أكثر مما ينبغي.

سمعت عن أتراك يملكون سيارات بعشرين ألف دولار وتجارات وعقارات يشعرون بالضيق من سوري اشترى سيارة لعمله بألفي دولار، ويقول له: (اذهب إلى بلدك، أمس جئت فقيرًا واليوم تسرق رزقنا).

قيمة الشركات الهولندية أو الألمانية عشرات أضعاف الشركات السورية وتبلغ استثماراتهم مئات مليارات الدولارات ويسيطرون على قطاعات أساسية في الاقتصاد التركي ومع هذا لا يشعر التركي بالخوف منهم، بل لا يحس بهم؛ لأن الإعلام المغرض وجهه إلى هذا وصرف عينه عن ذاك.

خاتمة

المجتمعات المتحضرة تملك القدرة على التعايش مع الجميع، والمجتمعات الضعيفة تميل إلى التصنيف وشيطنة الآخر لتحمي نفسها، والمجتمع التركي الحديث مجتمع ناشئ ينتقل من ماض مليء بالفشل إلى حاضر ومستقبل مليء بالإنتاج والعمل، وهناك من يحاول دفعه إلى الخوف والتقوقع على نفسه مستغلين حجم الفراغ الثقافي والمعرفي الكبير الذي يسيطر على شريحة كبيرة من الشعب التركي، فراغ معرفي كان واضحًا بشدة من خلال المقارنة بين الحملتين المتزامنتين اللتين قامتا على السوريين في كل من مصر وتركيا، إذ استوعبها المصريون خلال أيام، ومنعوها من التحول إلى أزمة اجتماعية، بينما لم يستطع المجتمع التركي أن يفعل ذلك.

وأخيرًا

إن أزمة اللاجئين السوريين في تركيا يمكن أن تكون درسًا عميقا لقادة المجتمع التركي، ترشدهم إلى نقاط الضعف المعرفي والثقافي التي لا زال المغرضون ينفذون منها إلى المجتمع لتوجيهه حسب مطامعهم الفاسدة، وإن على قادة المجتمع التركي أن يتداركوا الأمر ويعالجوه قبل أن تتحول حالة الخوف العارضة هذه إلى طبيعة في المجتمع التركي تأخذ به إلى أخلاقيات لا تتناسب والأهداف الكبرى التي تذهب إليها تركيا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد