أنا أعشقُ الكتابة. أكتب كلّ يومٍ تقريبًا طوال العشرُون شهرًا المَاضية، كنت أجلسُ على كرسي، وأُقابل حاسُوبي وأضع يدي على لوحةِ المفاتيح، وأكتبُ مقالًا جديدًا. يومًا بعد يوم أسبوع بعد أسبوع.

لماذا أقُوم بهذا كلّ أسبوع؟ لماذا أكتب؟

نعم.. أولًا أكتُب لنفسي

إذا كتبتُ مَقالًا يبدو بمثابة نصِيحة، فعادةً ما يكون ذلك تذكيرًا لي بأن أُنجزَ أكثر، وتحفيزًا لي.

وبالتأكيد، أكتُبُ لمعرفةِ المزيدِ أيضًا، ولتوضيحِ أفكاري. إذا كنتُ مُرتبكًا أو فُضوليًا بشأن شيءٍ ما، فأكتُبُ عنه. وعادةً ما يكون المقال ملخّصًا لاستنتاجاتٍ توصَّلتُ إليها بالبحثِ في الموضوع.

أيضًا، حينما أكتب فإني أحرِّر عقلي، وأترك مساحاتٍ فارغة لأفكارٍ أخرى، وكأنني أقوم بعملية تفريغ ذهني، فأنا أقرأ الكثير من الكُتب، وبطبيعة الحال، عليَّ أن أكتب كثيرًا لتلخيصِ ما أقرأه بالكتابة.

ثانيًا الكتابة شكلٌ من أشكالِ القيادة

وليس هذا فقط، الكتابة هي قيادةٌ على نطاقٍ واسع بالنّسبة لي. لقد أدركت أنه إذا كنتُ جادًا في إحداث تأثيرٍ في محيطي وبيئتي وعالمي، وفي مساعدة أكبر عددٍ مُمكن من الأشخاص، فإن الكتابة ستحمل عملي وأفكاري بشكلٍ جيّد فعلًا.

كما يمكن قراءةُ الكلماتِ التي أكتُبها من قبل أيّ شخص، وفي أيِّ مكان.

مثلا، في الشهر الماضي، زار أكثر من 100 ألف شخص مدونتي (عالم تعلم)، ومن عشراتِ البلدان والدول. تخيّل عدد الأشخاص الذين يمكنُك التأثير فيهم، أو على الأقل سيستفيدون من شيءٍ أو شيئين.

وفي غضون 10 سنواتٍ من الآن، أو 20 سنة ستظلّ تلك الكلمات حيثُ نشرتُها، سواءً على مواقع التواصل الاجتماعي، أو مواقع الإنترنت أو الكتب. ولولا الكتابة لما وصلتنا تأمُّلات أبي حَامد الغزالِي في الإحياء، ولما وصلتنا فلسفة ابن القيم في مدارج السالكين، وزاد المعاد، والداء والدواء وغيرها، ولما وصلتنا فلسفة هيجل، وجون لوك، وديكارت، وأفلاطون وغيرهم.

ثالثًا.. بناء فسلفة خاصة

تتمتَّع الكتابة أيضًا، بالقدرة على الإلهام والتسلية والتواصل، ويمكنها القيام بهذه الأشياء لفترة طويلةٍ بعد أن ترفرف الكلمات من يدي إلى لوحة المفاتيح. لن أقابل أبدًا معظم الأشخاص الذين قرأوا مقالاتي، لكنّهم سيعرفونني من خلال كلماتي.

وقد وفقني الله لنشر كتابين لحد الآن (الأول: كيف يعمل القرآن؟ والثاني بعنوان: أن تولد من جديد) ، يتضمنان فلسفتي في الحياة، والدين، وتأملات في الكثير من الأمور والمواقف، ومن خلال هذه الكتب حتمًا سيعرفني الناس، أو على الأقل يعرفون طريقة تفكيري، بالرغم من أنهم لم يتحدثوا إلي من قبل أبدًا.

في الماضي لم تكن لدي الشّجاعة لمشاركة أعمالي. وذلك بسبب الخوفِ من النَّقد والحكم. في النهاية، قررت أنّه من المهمّ المُساهمة بشيءٍ في العالم أكثر من حمايةِ نفسي من النّقد. بدأت أَرَى أنّ الكتابة هي طريقة لأُصبح قائدًا وموجّهًا من خلال اتخاذ مواقِف للأشياء التي أؤمن بها، والدّفاع عن أُطروحَاتي وآرائي، وحشدِ الأشخاص الذين يُؤمنون بنفس الأشياء التي أُؤمِن بها.

نحن جميعًا نملك كلماتٍ بداخلنا، كلمات يمكن أن تغيّر العالم حقًّا، كلماتٍ يمكن أن تُرضِي وتُسعِد، كلمات يمكن أن نُلهم وتحسّن، هذه الكلمات يمكن أن تُطلق العنان لقوتها عند مشاركتها، فحينما أكتُبها، أكتُبها بصدقٍ وأشعُرُ أنّ فيها روحًا، وأنّها حيّة، تدقّ على قلب كلّ من تصلُ إليه. لهذا السَّبب أكتب.

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ. تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا. وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ.

فالكلِمة الطيبة الصَّادقة، أصلها ثابتٌ، ولكن بمجرَّد طرحها وتنتشرُ، يَصَعَّدُ فرعها إلى عنانِ السماء، وتؤتِي الفائدة المرجوة منها في حينِها، بإذن ربها عز وجل. ولا تحقرَنَّ من المعروفِ شيئًا، فرُبَّ كلمةٍ لا تلقِي لها بالًا، قد تكون سببًا في هداية شخصٍ ما (بلِّغوا عني ولو آية)، أو إنارةِ دربه نحو الطّريق الصحيح بإذن الله. لذلك أكتب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أكتب
عرض التعليقات
تحميل المزيد