تظهر في نهاية كثير من النقاشات التي تنتهي باعتراف المدافعين عن الظلم والاستبداد جملة حمقاء لا معني لها، وهي «هذه هي رغبة الشعب، الشعب اختار الظلم، هو اختار هذا الواقع وهو موافق عليه، مالكم أنتم؟»، وسنحاول هنا أن نثبت أنه حتى لو كان الشعب يريد الاستبداد فإنه ليس من حقه أن يفعل.

نحن نعتقد أن الشعب لم يختر الاستبداد، وإنما غرر به وصور له الاستبداد في صورة الخلاص، ولكني أود أن أتمادى في الافتراض حتى نقضي على هذه الفكرة بشكل كامل.

دعونا نتخيل استفتاءً عامًا يشارك فيه جميع المواطنين، وعليهم أن يختاروا بين اختيارين واضحين «الديمقراطية» أو «الاستبداد»، ودعونا نفترض فقط لإيضاح وجهة النظر أن مئة بالمئة من المواطنين اختاروا الاستبداد، لماذا نرى أنه ليس من حقهم أن يختاروا الطريقة التي سوف يحكمون بها طالما أن الأمر راجع إليهم وعليهم كأعضاء في الجماعة السياسية محل النظر؟

اختيار الاستبداد ليس متعلقًا باللحظة الحاضرة فقط، وإنما هو حكم إعدام على المستقبل، الاستبداد يغلق الباب في وجه الأجيال القادمة، أمام الضمائر التي قد توقظها التجربة، اختيار الاستبداد هو مصادرة على حقوق أجيال لم يؤخذ رأيها في الأمر من الأساس.

وحيث إنه ليس من حق الأحياء الآن أن يفسدوا الكوكب -الذي نحيا عليه نحن وستحيا عليه أجيال مقبلة- ولا أن يقضوا على ثرواته أو يحدثوا به تغيرات تقع عواقبها على أجيال لم تأت بعد، فليس من حقهم أن يسلبوا هذه الأجيال حقهم في تحديد مصيرهم.

هنالك في كل مجتمع مستبد أفراد ممن لا يتعرض لهم الاستبداد بسوء، إما لأنهم صنّاعه أو لأنهم مستفيدون منه، وهؤلاء ليس من حقهم أن يختاروا الاستبداد لأنهم بهذا يحكمون على من سواهم -ممن يقعون تحت سطوة الاستبداد- بحياة مهينة مخزية فقيرة.

كما أن الأفراد محرم عليهم الانتحار، فهو محرم كذلك على المجتمعات.

وحيث إن الدول المستبدة تذهب إلي الحرب أكثر بكثير من الدول الديمقراطية، فاختيار الاستبداد هو حكم مستقبلي على دول أخرى بالتعرض لويلات الحروب وعواقبها الوخيمة.

وحيث إنه من المستحيل عمليًّا أن يختار شعب كامل الاستبداد، فإنه ليس من حق الأغلبية أن تفرض على الأقلية نظام حكم غير قابل للتغيير والتعديل.

وحتى لو كان الشعب اختار الاستبداد، فإن ذلك لا يبرر أفعال المستبدين، ولا يعفيهم من اللوم الأخلاقي أو الديني.

قبول الملايين من المواطنين للاستبداد لا يبرر موقفهم، ولا يعد حجة ضد الثورة أو الدعوة إلى التغيير، الحرية ليست ملكية شخصية للأفراد حتى يتنازلوا عنها، وإنما هي ملكية للإنسان في كل وقت وكل زمان وكل مكان وكل جنس وتوجه سياسي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد