كل الأمم تحاول جاهدة أن تستذكر بطولات رجالهم ونسائهم وتضحياتهم الكبيرة وهم يذودون عن ارضهم وعرضهم ومقدساتهم في حروبٍ بالنسبة لهم كانت مقدسة، وبالأمس القريب احتفلت روسيا بعيد الانتصار على النازية وحملوا في مسيراتهم صورًا لأجدادهم الذين قاتلوا وماتوا وقتلوا دفاعًا عن الوطن، أما على مستوى العالم العربي فإن شعب الكويت يحيي ذكرى تحرير بلدهم من الاحتلال العراقي في وسط احتفالات تعم الكويت وتنقل عبر الفضائيات إلى العالم، بل أكثر من ذلك فإنهم في كل سنة تقريبًا ينتجون عملًا فنيًا يتحدث عن فترة الغزو العراقي لهم، بل إنهم ورغم نقاط الاستفهام التي تدور حول أحداث تلك الأعمال الفنية إلا أنهم كانوا يخلدون فيها دور العسكري وكذلك دور المواطن وكيف استطاع أن يصبر على العدوان المفاجئ وغير المتوقع من بلد جار لهم كانوا بالأمس يقفون معه في حربه ضد جارته إيران.

كل دولة لديها رصيد من الشجعان والأبطال الذين سطروا على جبهات الدفاع والقتال ملاحم البطولة والشرف، ولكن نحن في العراق لا نستذكر أبطالنا وشهداءنا ولا نعطيهم التمجيد الذي يستحقونه، فتلك سوريا والتي منذ عام 2012 تعاني من الحرب وظهور زمرة (داعش) الإرهابية فيها وهي التي تمتلك كل المقومات السيادية وهي من البلدان التي لم تتعرض إلى الحرب والتخريب والدمار وتهديم البنى التحتية وفقدان السيادة ومستلزمات الدفاع عن النفس كما هو حال العراق والذي ينزف منذ ثورة العشرين ولهذا اليوم، ولكن ورغم كل ذلك ما زالت سوريا مع حلفائها تقاتل من أجل تحرير أراضيها وإعادة السيادة.

أما العراق والذي تعرض للعزو على يد (داعش) الإرهابية عام 2014 حيث ذهب ثلث العراق مع غيابٍ واضحٍ للجيش والعدة والعدد، وفي فترة زمنية عصيبة تجمدت فيها وطنية وعقول وعزيمة الناس حتى شعروا بالهزيمة والانكسار وعدم المبالاة، ولكن وما أن صدرت فتوى الجهاد الكفائي حتى عادت في عروق الغيارى الدماء فهبوا ملبيين النداء وهم يقاتلون من أجل العراق وشعبه ومقدساته أيًا كان انتمائهم أو طائفتهم أو ديانتهم أو قوميتهم، فتركوا الأموال والأهل وارتحلوا إلى ساحات الوغى ليقفوا أمام الطاغوت والإرهاب وجهًا لوجه، ذلك الإرهاب الذي كان قد فاز بالرهان في بسط قوته على العراق لعشرات السنين انهزم أمام أبطالنا وقد أحرقتهم قطرات دماء شهدائنا وهي تفور كبركان يثور لتكوي يدًا حاولت أن تستعبد العراقيين ولتروي الأرض وتعلن لنا أن الغد سيكون آمنًا.

انتصرنا وما زالت سوريا تحاول الانتصار، ولكن شتان بيننا وبين سوريا وهم يمجدون بأنفسهم وببطولاتهم، اما نحن فقد انعدمت الوطنية فينا حتى اننا أصبحنا نظهر للعالم مفاسد مجتمعنا لا محاسنه، فإن كان ذلك بسبب أن بعض المتحجرة قلوبهم يرفضون هذه الفئة أو تلك الطائفة أو يحاولون مسح أقدام أسيادهم والتملق لهم خشية استبدالهم بغيرهم فلا بأس لنرمي بالحشد ورجاله والمئات من شهدائه عرض الجدار ومن ثم نشعل فيهم النار ونجعلهم رمادًا، ولكن على أقل التقديرات فإن هناك جهاز مكافحة الإرهاب والشرطة الاتحادية وابطال الجيش فلم لا تذكرونهم وتمجدون تضحياتهم؟ لماذا لا نجد في النتاج الفني العراقي، وخاصة في شهر رمضان ما يتحدث عن سيرة شهيد أو من باب الحياء التطرق إلى السبايا من الإيزديات أو أولئك الذين ذاقوا الويل والمرارة في خيم النازحين، مات الشهداء ولا ذاكر يذكرهم سوى بعض الحمقى الذين يتهمون أهالي هؤلاء بالجهل والتخلف، ومن ذا الذي يذم أهله وناسه إلا الشراذم والفاسدون والذين حتى ألسنتهم ليست ملكهم، وإنما ملك من يدفع لهم ويقويهم.

لنخلد ذكرى أبطالنا بنشيد يقرأ في جميع مدارس العراق من شماله إلى جنوبه، لنتعرض إلى قصة بطلٍ من ابطال العراق وهو يلبي نداء المرجعية فيموت في سبيل تحرير طفل لا تربطه به أية صلة قرابة، ونكتبها في مناهجنا الدراسية، لنترجم بعضها ونضعها في منهاج اللغة الإنجليزية والفرنسية، لنغير أسماء الشوارع والساحات إلى أسماء شهداء من تلك المناطق، لنعمل لكل شهدائنا جدارًا في كل محافظة مكتوب فيه اسم الشهيد ومحل استشهاده وصورة له ليقف أمامه غدًا أبنائهم وهم مرفوعو الهامة وبشموخ نخيل العراق وهم يحذون حذو آبائهم، لنصنع لهم إنتاجًا تلفزيونيًا كباب الحارة كل جزء منه يتحدث عن بطولات رجال ونساء من كل محافظات العراق والتي وقفت بوجه الإرهاب والقمته حجر الذلة والهوان، شهداؤنا يستحقون منا أن نذكرهم في هذا الشهر الفضيل بالدعاء والاستغفار.

والحمد لله رب العالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد