قال الله عز شأنه: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين، ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين. سورة الممتحنة آية 8.

في هذه الآية إرشاد من الله لأولئك المسلمين الذين حشروا أهل الكتاب وغيرهم من الكافرين في خندق واحد وأشعلوا فيهم نار الكراهية والعداوة.

فبالرغم من الدعوة الإلهية لتغيير تلك النظرة، إلا أن البعض لا زال عاضّا بنواجذه على الجهالة والتعنّت، وكأنه لم يسمع كلام الله… أولئك القوم لهم قلوب لا يعقلون بها ولهم آذان لا يسمعون بها.

لقد أزالت هذه الآيات الغبش عن الأعين ونبهتنا كمسلمين ألا نؤاخذ أحدًا كائنا من كان بجريرة غيره، وانطلاقًا من هذه الآية الكريمة فالمعنيون بالتعايش هم من لم يحملوا علينا السلاح ولم يخرجونا من ديارنا، هؤلاء البشر يستحقون منّا البرّ والعدل والتعامل معهم بالتي هي أحسن.

إن المتتبع لسيرة المصطفى – صلى الله عليه وسلم – وصحابته الكرام والعصور الإسلامية من بعدهم يجد صور التعايش مع اليهود والنصارى واضحة وبشكل علني.

ومن صور ذلك التعايش معاملة النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – لليهود تحت مظلة الأخلاق والإنسانية، بالرغم من مخالفتهم للدين الإسلامي …صحَّ في كتب الحديث أن غلامًا يهوديًا كان يتعاهد النبي – صلى الله عليه وسلم – بالخدمة في أموره الخاصة، فكان يضع له وضوءه ويهيئ له نعله …. ثم بعد فترة من الزمن مرض هذا الغلام، فأتاه نبي الرحمة والأخلاق، تقوده الروح الإنسانية وروابط الجيرة والعشرة؛ ليزوره ويلقي النظرة الأخيرة على روحٍ طالما أَلِف ودّها بالخدمة والاهتمام، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ في هذه النقطة تحديدًا علينا أن نقف قليلًا لندرك الحكمة النبوية من زيارة الغلام اليهودي … قد يقول البعض إن الرسول زاره من أجل أن يعرض عليه الإسلام، والحقيقة أن زيارته لم تكن لهذا السبب فقط، بل جاءت من نبل أخلاقه وإنسانيته – صلى الله عليه وسلم – بعيدًا عن حسابات الدّعوة المجردة.

لقد كانت تلك اللحظات الأخيرة للغلام، حيث بدأت روحه تتهيأ للخروج تشيّعها نظرات النبي – صلى الله عليه وسلم – الرحيمة وقلبه المشفق! فأي تعايش هذا الذي جعله يدخل على يهودي في بيته وعلى فراش موته؟ وأي علاقة كانت تربطهم ليتَعَنَّى سيد البشر لغلام يهودي! إنه الإحساس والقلب الحي، إنها المشاعر الإنسانية إنها الأخلاق السامية، إنه الاعتراف بروابط العشرة ومبدأ حسن الجوار.

كما أثبتت أيضًا كتب السير أن الرسول مات ودرعه مرهون عند يهودي، وكأن في ذلك وصية لنا بعد موته أن ديننا هو دين التعايش وأن الأعداء بالرغم من غدر بعضهم بِنَا، إلا أنهم ليسوا سواء، وليسوا على شاكلة واحدة.

وفي العهد المكي تعرض المسلمون الأوائل للظلم والاضطهاد من ذوي القربى، فوجدوا الأمان عند النصارى وتحديدًا عند النجاشي ملك الحبشة، حيث آواهم ورفض تسليمهم لمن يكبت حريّاتهم ويقمعهم.

كما اتخذ الفاروق الذي عُرف بالحزم والقوة في الحق رجال دواوينه من الروم، وجرى الخليفتان الآخران وملوك بني أمية من بعده على ذلك إلى أن نقل عبدالملك بن مروان الدواويين من الرومية إلى العربية، وبهذه السيرة وذلك الإرشاد عمل العباسيون وغيرهم من ملوك المسلمين في نوط أعمال الدولة باليهود والنصارى والصابئين، ومن ذلك جعل الدولة العثمانية أكثر سفرائها ووكلائها في بلاد الأجانب من النصارى.

كما أن علاقتنا بأهل الكتاب لم تقتصر على حسن الجوار وطلب الأمان وتبادل المصالح ، بل وصلت أيضًا لمشاركتهم في المأكل والمشرب، رُوي أنّ عبد الله بن عمرو بن العاص، العالم الزَّاهد العابد، لما أسنّ وكبر ذبح شاة، فقال لأهله: هل أعطيتم منها لجارنا اليهودي؟ قالوا :نعم. ثم بعد قليل أعاد السؤال هل أعطيتم منها لجارنا اليهودي؟ قالوا: نعم! ثمَّ بعد قليل سألهم للمرة الثالثة: هل أعطيتُم منها لجارنا اليهوديِّ؟ قالوا: اللهمَّ نعم، قال: سمعتُ خليلي – صلى الله عليه وسلم – يقول: وما زال جبريل يُوصيني بالجار، حتى ظننتُ أنه سيُورِّثُه.

وفي تفسير الشعراوي للآية الخامسة من سورة المائدة: اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حلٌّ لهم. يقول: ونحن هنا نجد الحق يحلل لنا مطاعمة أهل الكتاب حتى تكون هناك صلة بيننا وبين من يؤمن بإله وبمنهج من السماء … فسبحانه يريد أن نوازن في أسلوب تعاملنا فلا نساوي بين ملحد مشرك ومؤمن بصلة السماء بالأرض وإن كفر برسول الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

دين, رأي, مجتمع

المصادر

تفسير المنار، تأليف: محمد رشيد رضا. تفسير الشعراوي، محمد متولي الشعراوي.
عرض التعليقات
تحميل المزيد