مؤخرًا ثارت في الجزائر قضية كتابة اللغة الأمازيغية بالحرف اللاتيني (الفرنسي تحديدًا) في الفضاء الثقافي قبل أن تنتقل إلى طور آخر إعلامي عبر القنوات الخاصة، ووسائط التواصل الاجتماعي؛ لتنتهي إلى بعد سياسي بعد تصريحات إحدى البرلمانيات ومطالبة بعض الشخصيات المحسوبة على تيار معين بإبعادها من البرلمان على خلفية تلك التصريحات، ولا يمكن التسليم بسهولة بفرضية أن تلك الأحداث تعكس حالة متعمدة لإلهاء الرأي العام عن قضايا اقتصادية ومطلبية وسياسية في المشهد الجزائري، وإن كانت تصب بأثر رجعي في مصلحتها.

وليس الغرض من المقال معالجة تداعيات الأحداث الأخيرة ولا نقاشها أصلًا، وإنما مقاربة الموضوع من إحدى مقدماته التي أفضت بنا إلى هذه الحالة، وهي تحليل ظاهرة غريبة سلبية ينفرد بها الإقليم المغاربي بامتياز للأسف وهي ظاهرة نخبة الفرونكوفيل (Les francophile) والمقصود بها للقارئ العربي أنها نخبة أصلها تونسي أو جزائري أو مغربي في الغالب مفرنسة ثقافة ولغة، والمقصود بالثقافة نمط الحياة والتفكير والمقاربات، بل حتى المواقف السياسية واللغة ما هي إلا وسيلة تسهل التشبع بتلك الثقافة. هذا التحديد ينبغي استيعابه وفهمه جيدًا حتى يسهل التفريق بينها وبين نخبة الفرنكوفون (Les froncophonie)، وهي نخبة ناطقة باللغة الفرنسية غير محاكية للنمط الثقافي الفرنسي، وإن كانت أقلية مقارنة بالأولى الفرنكوفيل، لكنها تشكل على الأقل حاجز صد أمام الاستلاب الثقافي الكامل للنخبة المفرنسة في فضائنا المغاربي.

وقبل مقاربة موضوع الفرنكوفيل ومعرفة سبب كره تلك النخبة لكل ما هو عربي، سواء كان لغة أو نمط ثقافة أو حياة، فضلًا عن اتخاذ مواقف سياسية أكثر تطرفًا في أطوار متقدمة نسأل الله تعالى أن لا نصل إلى تلك المرحلة ينبغي استمداد شيء من التاريخ القريب لنشوء، وتكون هذه النخبة في فضائنا المغاربي، فبعد مرحلة تثبيت الاستعمار الفرنسي في البلاد المغاربية عمومًا قامت إدراة الاستعمار بحظر التعامل باللغة العربية، التي كانت لغة التعامل والتخاطب، بينما حظرت تعليمها في مراحل لاحقة؛ فأصبحت العربية حبيسة الكتاتيب والأربطة التي تم منعها أيضًا في خطوة لاحقة.

وقد نجحت فرنسا بتكوين جيل جديد في مطلع القرن العشرين كان يشعر بانتمائه الوطني لأرض الجزائر، لكنه في نفس الوقت ناطق باللغة الفرنسية ومنافح ومناضل عن قضيته الوطنية بلغة عدوه هذا الإشكال الثقافي تفطن له رواد حركة الإصلاح في الإقليم المغاربي؛ فوجدنا جمعية العلماء في الجزائر مثلًا خاضت مشروعًا لتعليم القرآن الكريم وتفسيره واستكتاب نخبة علمية في تلك الفترة في صحف مختلفة كان الغرض الأساس منها استعادة كينونة العربية التي كادت أن تغيب أو لنقل: تندثر، وبعد فترة الاستقلال الوطني عجزت دولة ما بعد الاستقلال أن تخوض سياسية تعريبية حقيقية بسبب أن غالب النخب التي تتحكم في دوائر السياسة والإدارة والتعليم بقيت مفرنسة، وهنا ينبغي أن نرصد ونثمن ظاهرة الأساتذة المشرقيين (مصر وسوريا والعراق) الذين ساهموا بشكل كبير في زراعة بذرة اللغة العربية في جزائر ما بعد الاستقلال، إلا أن السطوة بقيت للنخبة الناطقة باللغة الفرنسية لأسباب معقدة ومتشابكة يتعذر ذكرها كلها، إلا أنه في بدايات الألفية الأخيرة من القرن العشرين ظهرت على السطح ظاهرة أخرى تستحق التأمل نقصد بها ظاهرة النخبة الأمازيغية المفرنسة، أو من يصطلح عليهم بالبربريست، وهؤلاء أصحاب قضية قومية تذرعوا لترويج قضيتهم والحديث عنها في الفضاء الوطني والمحافل الدولية باللغة الفرنسية.

وقد صرح أحد أكبر أقطابهم في الجزائر بأن الفرنسية غنيمة استعمار، وأنها ضرورة لابد منها هذا العنصر الجديد في معادلة الثقافة الفرنكوفيلية، زاد من حدة الاستقطاب ضد كل ما هو عربي في الجزائر أن هؤلاء البربريست اعتقدوا أن الثقافة الفرنسية هي الحامية لهم ولهويتهم من الغزو الثقافي العربي كما يعتقدون، فتجد أن غالبيتهم تخندقت بالفرنسية، وعاشت وعلمت أولادها نمط الحياة الغربي (الفرنسي) تحديدًا كون من الحماية ضد العروبة، ولأنه يصعب الفصل بين العروبة والإسلام في فضائنا المغاربي، فنجد أن تلك العداوة انقلبت بأثر رجعي ضد الإسلام أيضًا، فنجد أن تلك النخبة تجاهر بإفطارها في رمضان مثلًا، وتكثر من السخرية من شعائر إسلامية، مثل نحر هدي الأضحى، أو تنتقد بشدة بعض أحكام الإسلام ومفاهيمه في كتاباتها، واليوم نجحت تلك النخبة في تطوير مطالبها لتشمل استحقاقات دستورية، بينما الفئة الأكثر تطرفًا طورت مطلبًا سياسيًا بحتًا.

وبعد هذا التحليل التاريخي لهذه الظاهرة نحاول أن نناقش بعض مقدمات هذه النخبة التي تعتمد عليها في مقاربة موضوع العربية في الفضاء الجزائري.

أولها وأخطرها في نظري أن العرب قاموا بغزو للإقليم المغاربي هدفه السيطرة والتوسع، وهنا ينبغي أن نستمد شيئًا من التحليل التاريخي كذلك لمقاربة الموضوع فالقضية تتعلق بمراحل تاريخية متباينة للوجود العربي الإسلامي في الإقليم المغاربي من أبي المهاجر بن دينار إلى زمن الدخول الإسلامي لشبه الجزيرة الأيبيرية، والذي كان للعنصر الأمازيغي فيه دور كبير جدًا، ولا يمكن للباحث المنصف أن ينكر أن بعض التجاوزات حصلت أثناء مراحل الفتح الإسلامي، ومزاجي الفكري يتقبل الحقائق كما هي ولا يسعى لإنكارها، ويفهم طبيعة تلك المرحلة ومعطياتها، لكن بهذا المنطق فلنلزم الفرونكوفيلي أيضًا بوصف الوجود الفرنسي بالاستعمار، وهو غالبًا يعترف بذلك، لكن مع قبول ثقافته ولغته وعدم معاداته لها كما يعادي الثقافة واللغة العربية، وهنا الإشكال، فكيف تعادي الوجود الفرنسي مع قبولك لثقافته ولغته كغنيمة استعمار، وفي نفس الوقت تعادي الوجود العربي، ورفضك ما يمت إليه بصلة؟

أي منظار وأي ميزان تزن به الأمور هنا أيها الفرنكوفيلي؟ وهل فعلًا هو محض الدراسة والحقائق التاريخية أم أنه توظيف لبعض الحقائق التاريخية، وبتر أخرى عمدًا لتسويق مشروع عدمي تدميري للوطن الجزائري؟ على أن الوجود العربي الإسلامي في الإقليم المغاربي تمتع بنوع من الكينونة الذاتية والاستقلالية البعيدة عن التبعية المباشرة للمشرق انطلاقًا من أواسط القرن الثاني، وهنا ينبغي أن نستمد مثال المغرب الأقصى؛ حيث تم تأسيس الدولة الإدريسية العلوية التي لقب خليفتها بإمرة المؤمنين واستقلال إبراهيم بن الأغلب بحكم القيروان مع عدم قطعه الخطبة والسكة عن العباسيين في الشرق ثم تأسيس عبد الرحمن الداخل لدولة الأمويين في الأندلس، وبقيت هذه الاستقلالية في الإقليم المغاربي مع الاحتفاظ باللغة الأمازيغية بالحرف التيفيناغي والعربي، والتي كانت شائعة وذائعة، فعن أي هيمنة عربية واستعمار يتحدث الفرونكوفيلي؟ ولولا مخافة الإطالة لاستمددنا مزيدًا من الأمثلة التاريخية التي تدحض هذه المقدمة.

ثانيًا مقدمة مفادها اللغة العربية ليست لغة العصر الحديث، فكثيرًا ما يدندن الفرونكوفيلي حول هذه العبارة باعتبارها حقيقة، وعليه يطرح الفرنسية كبديل، ثم يمرر ثقافة المجتمع الفرنسي، وقيمه ونمطه كبديل حضاري أيضًا مقبول، وهنا كما وضحنا سابقًا، فإن قلة من النخب المتحدثة بالفرنسية لا تحاكي نمط الثقافة الفرنسية، إلا أنه يصعب الفصل التام بين اللغة والفكر الذي تصدر منه لأن اللغة ما هي إلا وعاء للفكر الإنساني، وهنا ينبغي أن نقرر حقيقة أيضًا، وهي أن العربية ليست في أحسن أحوالها، إما على مستوى التخاطب أو على مستوى النقل والترجمة وكتابة النصوص المعرفية المعاصرة بها، إلا أن هذا لا ينفي حقية أن اللغة العربية لها القابلية لتكون رائدة في هذا المجال؛ كون العربية تتميز بخصائص فريدة عن أي لغة أخرى حية؛ فوعاؤها الدلالي واسع جدًا؛ حيث ينفرد الاصطلاح الواحد بعدة معان، فضلًا عن خاصية الاشتقاق والتوليد والتفجير للاصطلاحات التي تنفرد بها العربية؛ مما يعني أن اللغة العربية لها مرونة تمكنها من مواكبة حقول معرفية جديدة، وتأسيس نصها الخاص بها في شتى حقول المعرفة.

ويكفي للاستدلال على هذا الطرح أن كثيرًا من الكتب ترجمت في سائر حقول المعرفية التقنية والإنسانية، وكانت الترجمة دقيقة، ولنا في تراجم الفيلسوف عبد الرحمن بدوي خير مثال، فقضية اللغة العربية قضية رابحة لو توفرت الإرادة المدفوعة بالرغبة، ولا ينكر أن قضية رفض اللغة العربية هي قضية مغاربية بامتياز، بعكس المشرق الذي لا يعاني هذه الحدية والعقدة تجاه العربية أصالة.

أضف إليه أن لغة التقانة والمعرفة اليوم هي الإنجليزية كون أغلب البحوث والدراسات تكتب بها، أضف إلى كونها لغة تخاطب مطلوبة في أرقى الجامعات والمعاهد العالمية والفرنسية لا يتم تداولها والتخاطب، إلا في دول الاستعمار السابق وبعضها يتم تحريرها تدريجيًا من الهيمنة الثقافية الفرنسية، فلما يفرض على الجزائري دائمًا أو المغربي عمومًا الدوران في فلكها.

ثالثًا النزعة الوهابية القادمة من الحجاز فرخت الإرهاب، حيث تتحجج هذه النخبة بأن الثقافة العربية الوافدة من المشرق، تحديدًا السعودية، كانت أحد عوامل إنتاج الأزمة التي عانت منها الجزائر في تسعينات القرن الماضي، لكن هنا ينبغي أن نتساءل في المقابل: إذا كنتم تشتكون من تلك النزعة، فأين هو الخطاب البديل الذي قدمتموه؟ فالتاريخ الجزائري يشهد أن إلغاء التعليم الشرعي وإغلاق المعاهد الدينية التابعة لوزارة الشؤون الدينية زمن المرحوم مولود قاسم كانت في سبعينات القرن الماضي، أي قبل أزمة الجزائر، وقبلها حل جمعية العلماء، وتهميش أبرز قادتها التاريخيين وعدم وضع منصب مفتي الجزائر على غرار بقية الدول العربية كل هذه العوامل ضعفت من حضور الخطاب الوسطي المعتدل المراعي للخصوصية الوطنية في ثمانينات وتسعينات القرن المنصرم، وهو ما يعني إفساح المجال للنزعات المتطرفة بأثر رجعي، وهذا مشاهد محسوس لمن عالج تاريخ المشهد الجزائري بعد الاستقلال، وتحلى بشيء من الإنصاف في تحليله.

هذه بعض المقدمات التي تنطلق منها نخبة الفرونكوفيل في مقاربة موضوع العربية في الفضاء الوطني خصوصًا، وفي الإقليم المغاربي عمومًا، بقي أن نقول إن فكرة الفرنسة فكرة عدمية ميتة لأسباب، منها أن الفرنسية كما قلنا ليست لغة متداولة في الفضاء الثقافي العالمي على غرار الإنجليزية، كذا إن الساحة الدولية اليوم تتجه إلى مرحلة ما بعد الأحادية، فمعطيات المشهد السياسي العالمي اليوم تشير بوضوح إلى أن قوى عالمية صاعدة أصبحت تتحكم في صيرورة الوضع الدولي مع خلفية كل قوة من هذه القوى ثقافيًا وحضاريًا فنجد الصين وروسيا وتركيا والهند ودول الجنوب الأمريكي والجنوب الشرقي الأسيوي، بينما تتنبأ كثير من الدراسات أن الفضاء الأوروبي والأمريكي في طريقه إلى الانكماش إن لم نقل الانهيار، فأين في خضم هذا الوضع الثقافة الفرنسية وما محلها من الإعراب، وأترك هذا التساؤل مفتوحًا لذهن القارئ الحصيف ليصل إلى النتيجة بنفسه في ضوء هذه المعطيات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الجزائر
عرض التعليقات
تحميل المزيد