سأخبرني وأخبرك، ستكون الرحلة طويلة قليلًا، لكن هل كل رحلة طويلة تؤتي ثمارها؟ وهل كل رحلة قصيرة لا تترك في الروح بعض الآثار؟

الناس لا تتعلق بالأفكار، الناس تتعلق بالناس، يبدون من بعيد كأنهم أشجار تفاح، أو شجيرات طماطم، لن أبحث هل الطماطم، تزرع أم يتم حصدها مباشرة دون شجيرات ولا يحزنون، يبدو الناس من بعيد كأنهم حبات طماطم، ثمرات تفاح معلقون بعضهم ببعض، يجمعهم عنقود، ذلك العنقود عادةً يجمع كل أربع حبات طماطم معًا حمراء اللون، والعنقود أخضر اللون، هم كحبات من الداخل مليئون بالحكمة، من الخارج يبدو العنقود قاسيًا، عنيدًا، مليئًا بالأشواك، لكنه أحن هل ستصدقني؟ لا تفعل!

لماذا أصلًا يتعلق الناس بالأفكار؟ بغض النظر عن ضعفها أو قوتها، لماذا يحتاج الناس لفكرة كي يزرعوا حولها حديقة روحهم؟ لماذا تنبت أفكارهم في خارجهم لا داخلهم، يتعلق الناس بالأفكار لأسباب متعددة، لأننا بشر وخلقنا للجماعة لا الفردانية، لأننا أرواح تتصل وتجتمع بغيرها فتكتمل، لأننا نحب، وبشر نحب الأفكار، ونتعلق بها، منا من يذود عن تلك الفكرة بحياته إن لزم الأمر، ومنا من يتعلق بفكرته لنهاية عمره وحياته، منا من يتركها تسقط كحبة طماطم ناضجة، لكنها ليست لنا، ومنا من يخاف أن يقطف ثمرة التفاح خاصته لأنه لا يستحقها.

نبذل كثيرًا من الجهد والعمل مع أفكارنا، نطمح في أن تكون فكرتنا تلك هي سر سعادتنا، ننمو معها، تلاعب أرواحنا، نراها تكبر أمام أعيننا، في داخل دار روحنا، أقرب ما تكون لقلوبنا، ولعقولنا، نغذيها بالود والمحبة والوداد والوصال، ونرى من تلك الفكرة رفضًا أحيانًا ولومًا أحيانًا، تفكر فينا إذ نفكر فيها، ولكننا لا نفعل، لا نتعلق بالأفكار الضعيفة في البدايات لأننا أضعف منها، أضعف من أن نحكم أن تلك الفكرة فعلًا ضعيفة أو بالأحرى لا نستطيع أن نحكم على مدى ضعفنا الشخصي، نذود عن تلك الفكرة كأننا نذود عن ذواتنا، نراها خيلاءً قويةً وبليغةً، هي كذلك، هي قوية وساحرة ورشيقة للغاية تغزو أذهاننا وتقبل علينا دون لوم ولا بغض، نمنحها الود أكثر، ننبش عن أكثر مناطق الدفء فينا لنمنحها إياه، لنطارد الخيالات السمراء بعيدًا عن حمرة لونها، نصبح نحن العناقيد لها، نجمع أفكارهم السيئة والبغيضة، نلوم الشرور التي تحيق بأفكارنا تلك، نزرعها داخل عقولنا ومن ثم في داخل قلوبنا.

هل أخبرتك أن قلوبنا صغيرة؟ وعقولنا صغيرة؟ لها حجم لا تستطيع أن تتمدد معه، قلوبنا صغيرة وغضة، تحاول أفكارنا بعد النمو والنضج أن تجد مساحةً أكبر لها، نزيد مساحتها عن مساحة باقي الأفكار لتنمو، نمنحها المزيد من داخل القلب لتسكن، لتبدأ في التحليق، نساندها لتنمو أكثر، لتصبح أكثر قوة، لا نعرف أن أدمغتنا لها حد، وقلوبنا لها سقف، تزيد هي في النمو، نزداد نحن في الانكماش والضعف، تبدو أفكارنا أقوى منا وأكثر شبابًا، لا لوم عليها، هي أفكارنا في الأخير باتت جزءًا لا يتجزأ من دواخلنا، تنمو في كل لحظة أكثر، وتنمو بشكل أكبر، نرى الآثار المدمرة لها، نرى الخيبات الكثيرة التي تصطدم بنا، نرى كثيرًا من الأمور التي علينا أن نغض الطرف عنها، نعمي أنفسنا من وهج ولطف الفكرة، نساند ما بقي من أفكارنا الأصيلة الطيبة الضعيفة لتجد مكانًا لتختبئ فيه من وهم فكرتنا القوية والبشعة السائدة، يجتمعون في نهاية طريق العقل، وفي آخر معابد الروح، وفي نقطة عمياء من القلب، لا يستمعون إلا للأناشيد وينتظرون المخلص، طعامهم صبر، وشرابهم ود، يأكلون من ذكرياتهم في كل يوم، إلى أن تنتهي أو أنتهي.

تبدأ أنت في الصحو؛ فتدرك أن حبة الطماطم تلك احتلت حياتك، ثمرة التفاح باتت في ضخامة جبل عليك حمله في كل يوم، عليك أن تخبره كم هو جميل مهما كانت ثمرة التفاح بشعة، تصبر على كلمات فكرتك في لؤم، وتنتظر إلى أن تنتهي، تجمع شتات الرحلة لتذهب لأفكارك الضعيفة المضطهدة لتطعمهم، لتخبرهم أن عليهم وعليك الصبر، لا تعرف إلى متى، لكن لأن فكرتك القوية العتيدة باتت تحتل كل عالمك وكلماتك، وصفاتك.

في لحظةٍ ما، لنسميها لحظة تنوير ثمرة الطماطم أو لحظة انفلات العنقود، أو لحظة تحرر ثمرات التفاح، كل تسمية خاصة بشخص ما، كل منا لديه حبة الطماطم خاصته، وثمرة التفاح خاصته والكثير من أوراق الشجر، تدرك في تلك اللحظة أن كميات الدفء داخلك انتهت، قضت عليها أفكارك، تركتك وأفكارك الضعيفة محبوسين في مكانٍ صغير للغاية من عقلك، فتبدأ في التفكير؛ ما الذي حدث؟ ينتهج الناس هنا عدة مناهج، فمنهم من يفني نفسه لأجل فكرته، فتكون نهايته ونهاية فكرته معًا ومنهم من يدرك أن نهاية فكرته تلك تعني بداية حياته هو، ومنهم من يجن، لا يدرك ماذا يفعل، فتتنزل رحمة الله وحكمته على كل قلب وكل عقل.

أفكارنا الضعيفة تلك قبل أن تصبح ضعيفة يا صديقي كانت قوية وقوية للغاية، قوية لدرجة بشعة، قوية بدرجة مؤلمة لكن لا مكان لديك مع كل تلك القوة، لا مكان لرقتك وهشاشتك وهشاشة أفكارك وضعفها، تدرك أن مؤونتك لها فراغ لك، وحيازتك لها كسر لك، تبدأ بالامتناع عن كل شيء، بمرور الوقت ينهار السد الأول وتنفلت أول حبة من حبات الطماطم من العنقود، لا تبالي فكرتك، ولا تبالي أنت، بمرور الوقت ينهار السد الثاني ليخلف فوضى في عقلك، تغمر المياه أفكارك وتغمرك أنت تسحبكم معها في دوامات شديدة، تتشبثون جميعًا بفلك من خشب لا تدرى من أدخله لهناك، لكنه هناك، حكمة لا تعرفها حتى لا تُجن، ينهار السد الثالث، تنعتق آخر حبات الطماطم ويتبقي ثمرة تفاح واحدة، تطعمها لأفكارك كي تبقى على قيد الحياة، وتجوع أنت.

لنعود لسؤالك، خيارك الآن أن تعرف أن أفكارك الضعيفة تلك مدمرة لك، ومهلكة لأفكارك بشكلعام،م وعقلك وروحك وقلبك، تدرك أن حجمها أكبر من حجم قلبك، ومذاقها مرٌّ لا طعم له، سيفسد عقلك، وسيفسد قلبك، تصبح حبات الطماطم دون عنقود يجمعها، هشة وضعيفة وتتخلى عنها أيام القوة والفتوة، تخلت عنها لطفها ومسرتها، تبدأ تتحرك تلك الأفكار ناحية آخر طريق العقل لتعود أنت وأفكارك مكانها، من جنوا وفقدوا أنفسهم في أول الرحلة، لن يعودوا إلا برحمة من ربك وحزن شديد سيستمر طويلًا إلى أن يشاء الله، بحكمة ورحمة ودون أي ثالث لهما.

تفسد الأفكار الضعيفة، تعود أنت لمكانك، وسيطرتك، تأكل أفكارك التفاح في كل يوم، ولا تقرب الطماطم ما بقى من عمرك، لكن طيف أفكارك الضعيفة يراودك، ينهش فيك، يغازلك، ألم تتوحش الحبات المتدلية؟ ألم تتوحش لوني الأحمر ولطف مسرتي وشحوب ابتسامتي، تعاودك مرات كثيرة الفتنة، تتعلق من جديد، تفكر ما الذي قد يحدث إن قمت بزيارة سريعة لتلك الفكرة اللطيفة الضعيفة التي لا (تهش ولا تنش)؟ أنا أخبرك وأنا قادم من هناك، الأفكار لم تكن يومًا ضعيفة، بل نحن الضعفاء، الأفكار لم تكن يومًا سبيلًا للتدمير، بل نحن، أنا قادم من هناك وأحمل كثيرًا من حبات الطماطم، وكثيرًا من ثمرات التفاح، ولديَّ فكرة تحمل ابتسامة لؤم شاحبة، تنظر لك بمكر، هل تود أن تتعرف إلى زهور الخيبة وأزهار الضعف؟!

الخدوش التي في الروح لا تبلى، تتذكر أن الفكرة التي على كتفيك ستؤلم أيامك، وستعيدك لآخر طريق العقل وأقذر مخابئ الروح، تنفض أفكارك وتنزل أفكارك الضعيفة من على ضعفك، ومن ثم تعود لآخر طريق العقل، لتضعها، وتتركها في حزنها وتغادر، بعد مرور الوقت تكتشف أنك مضيت الليل هناك بجوارها، أنت تدرك أي حيرة وضعت نفسك فيها، لا سبيل لك للخلاص إلا من داخلك، نتعلق بالأفكار لمحبتنا لها، لا نجرؤ على أن نعلن العصيان أو الكراهية لها، لا نستطيع إلا أن نبتسم مرات كثيرة ابتسامة شاحبة واحدة لتلك الفكرة.

هل وصلتك فكرتي؟ قديمًا كان البشر يتم لعنهم بالتعاويذ، حديثًا يلعن البشر بعضهم بعضًا بالأفكار، وتظل معهم برغم آثارها المدمرة، طوبى للأفكار الضعيفة التي لا تمل من تحذيرنا وطوبى للطرق التي لا تنفك تحمل آثار أقدام الذهاب والعودة من آخر طريق العقل، لعنة الله على الطريق، وعلى حبات الطماطم الحمراء، وذكريات التفاح الفاسدة.

تعيد من جديد بناء السدود في داخلك، تعيد ترتيب الأفكار وأماكنها، ترتب الروح من الداخل، ترونق القلب من جديد، تعيد البسمات مكانها، والفرحة في خزانتها، تعلق الخيبة على شماعاتها، وتلبس الحزن بلونه الأسود الذي يليق به، وتمنع اللون الأحمر من دخول عقلك، وترائب قلبك، وتعيد تعشيق مفاصل باب القلب كي لا تمر منه فكرة ضخمة لتدمره وتخلع عنه ثبات السكينة.

ترتب كل شيء، وتصنع في داخل القلب مصعدًا ضخمًا لمكان في داخل العقل، تحيطه بسور ضخم للغاية، وتكتب عليه ممنوع الاقتراب أو التعبير، تضع بداخله ملابس، وأثاث، وكتب، ومشاعر قديمة، وتدوينات وخطط، تمتلئ المساحة بما تلقي فيه، تكبر المساحة قليلًا، تمتعض أفكارك الأخرى، لكنها ترأف بحالك فتتركك، تتوسع تلك المساحة، تضم لها مساحات كبيرة للغاية من باقي مساحات عقلك، تتوسع تلك المساحة، تحتل عقلك كله، تحتل روحك، وقلبك، تخلع الباب من مفصلاته، تخلع القلب حتى من مكانه، يصبح كل شيء ممتلئًا بفكرتك دون وجودها، حدثني الآن عن أي دمار نتحدث عنه!

عفوًا لا توجد مساحة كافية في العقل لأكمل تلك الإجابة، لا يتعلق البشر بالأفكار الضعيفة التي نعرف أن لها آثار مدمرة لأنها بالفعل قامت بذلك.

«ما من خلاص، ما من عطف، كل ما نستطيع فعله هو أن نرى ذلك الحزن حتى نهايته، ونتعلم منه شيئًا».

(هاروكي موراكامي).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد