إننا بمجتمعات عفنة، ناتجة عن نظم فاسدة، عن قصد وإصرار.

لا ريب أن شعوبًا خلفت من أصلاب الفساد، وحملت في رحم الاستبداد، وتربت وترعرت على ذلك أن تكون شعوبًا قويمة وصالحة.

ومما لا شك فيه أن الحق ضد الباطل وعدوه اللدود، وأن الفساد ضد الإصلاح، والعبودية ضد الحرية؛ فلزامًا على تلك الشعوب الفاسدة أن تحارب وتبغض الصالحون والمصلحون.

إن العبيد ينشؤون على القهر، والطاعة العمياء لسيدهم وحاكمهم، ولا يعرفون سوى لغة القسوة والقوة.

مجرد أن يروا أحرارًا؛ تتأجج مشاعر الحقد والكراهية، وحينما يستحثونهم على الحرية والعدالة، تحركت في نفوسهم النقائص، وبادلوهم الكره والبغض، وربما الحرب والتنكيل.

مرجع ذلك أن أهل الحق والإصلاح بدون قوة حقيقية تحمي هذا الحق، وتقاتل من يعترض هذه الدعوة؛ كما يقول سيد قطب مجرد وجود الحق يطل، ولو من نافذة؛ يزعج طاغوت الباطل.

فيا معشر الحق لا تحملوا الناس ما لا طاقة لهم به؛ فأصبح لديهم الجهل والعبودية من المقدسات.

يشخص عبد الرحمن الكواكبي ما يسميه داء الاستبداد السياسي، ويصف أقبح أنواعه: استبداد الجهل على العلم، واستبداد النفس على العقل؛ حيث قال: خلق الله الإنسان حرًّا؛ قائده العقل؛ فكفر وأبى إلا أن يكون عبدًا قائده الجهل، ويرى أن المستبد فرد عاجز لا حول له ولا قوة إلا بأعوانه؛ أعداء العدل، وأنصار الجور، وأن تراكم الثروات المفرطة مولد للاستبداد، ومضر بأخلاق الأفراد، وأن الاستبداد أصل لكل فساد.

ومن طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد أن المستبد في لحظة جلوسه على عرشه، ووضع تاجه الموروث على رأسه؛ يرى نفسه كان إنسانًا؛ فصار إلهًا.

والحكومة المستبدة تكون طبعًا مستبدة في كل فروعها من المستبد الأعظم إلى الشرطي، إلى الفرّاش، إلى كنّاس الشوارع، ولا يكون كل صنف إلا من أسفل أهل طبقته أخلاقًا؛ لأن الأسافل لا يهمهم طبعًا الكرامة وحسن السمعة؛ إنما غاية مسعاهم أن يبرهنوا لمخدومهم بأنهم على شاكلته، وأنصار لدولته، وشرهون لأكل السقطات من أي كانت؟!
ولو بشرًا أم خنازير، آباءهم أم أعداءهم، وبهذا يأمنهم المستبد ويأمنونه فيشاركهم ويشاركونه، وهذه الفئة المستخدمة يكثر عددها ويقل حسب شدة الاستبداد وخفته؛ فكلما كان المستبد حريصًا على العسف احتاج إلى زيادة جيش الممجدين العاملين له، المحافظين عليه، واحتاج إلى مزيد من الدقة في اتخاذهم من أسفل المجرمين الذين لا أثر عندهم لدين أو ذمة، واحتاج لحفظ النسبة بينهم في المراتب بالطريقة المعكوسة، وهي أن يكون أسفلهم طباعًا وخصالًا أعلاهم وظيفةً وقربًا، ولهذا لا بد أن يكون الوزير الأعظم للمستبد هو اللئيم الأعظم في الأمة.

تواسي فئة من أولئك المتعاظمين باسم الدين الأمة؛ فتقول: يا بؤساء هذا قضاء من السماء لا مرد له؛ فالواجب تلقيه بالصبر والرضاء، والالتجاء إلى الدعاء؛ فاربطوا ألسنتكم عن اللغو والفضول، واربطوا قلوبكم بأهل السكينة والخمول، وإياكم والتدبير فإن الله غيور، وليكن وردكم: اللهم انصر سلطاننا، وآمنّا في أوطاننا، واكشف عنّا البلاء، أنت حسبنا ونعم الوكيل.

احمدوا الله أن اصطفاكم على كثير من عباده، وجعلكم من أهل الحق، واعلموا أننا لا نريد أن نخالفهم إلى ما ننهاهم عنه إن نريد إلا الإصلاح ما استطعنا وما توفيقنا إلا بالله.

لسنا نحن من نرفض العيش الذليل، ونخرج على المستبدين والخونة، ونخضع لمن يحاربون الله ورسوله؛ بل عزتنا وأنفتنا تفرض علينا ذلك.

المعركة الحقيقية تكمن في إعداد القوة، وتوجيهها صوب طواغيت الفساد والاستبداد؛ حتى يجتزوا من جذورهم، ومن ثم، وادعوا إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة؛ فإذا جاء نصر الله والفتح رأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد