تعلم الأنظمة الحاكمة جيدًا مدى قدرة الفن على التأثير في عقول المتلقين ومشاعرهم، كما تعلم جيدًا أن الفن والثورة صنوان لا يفترقان، لهذا دائمًا ما تنظر إلى الفنان بتوجس، فهو مشروع ثورة يمشي على الأرض.

ولهذا فكما يحاول النظام المصري دائمًا خلق كهنة معبد في الدين والفكر والسياسة، يعمل على هذا أيضًا في الفن، فهو نظام ضد التغيير غالبًا ومع الاستقرار دائمًا، نظام يتحسس طبنجته الميري (مسدسه) عند سماع كلمة تغيير، وبالتالي لا يسمح سوى بالفن الترفيهي صاحب السقف المنخفض، الذي لا بد وأن يكون بدون مضمون ثوري أو نقدي، إلا لو كان هذا وفقًا لشروطه، وتحت رقابته.

أحدثت الثورة المصرية خلخلة كبيرة في المعجم الحاكم للطبقة الحاكمة وسبل السيطرة التي كانت تستخدمها للتحكم في وعي الجماهير، مما خلق تحديًا كبيرًا أمامها بعد الثورة وتطلب الأمر منها وقتًا ومجهودًا كبيرين لاستعادة السيطرة، والتمهيد للعودة في 30 يونيو (حزيران) وما تلاها.

فخلال الفترة التي أعقبت ثورة 25 يناير (كانون الثاني)، خرج علينا المعجم الشعبي ليعبر عن حالة الضجر من الكهنوت القديم الذي كان يسيطر على الدولة والفنون، خالقًا أشكالًا جديدة للتعبير الفني بعضها شعبي وبعضها شعبوي، هذه التجارب كانت محاولات لإكمال ما بدأته الثورة من حراك وتغيير على المستوى الفني، سواء في الشكل أو المضمون.

في التوقيت نفسه شعر النظام بحالة التململ التي أصابت الجماهير من تكرار الأنماط الترفيهية السائدة، وتوقهم إلى التغيير على مستوى الشكل والمضمون، والأهم حالة الغضب على كهنة الفن القدامى الذين يتعالون على ذائقتهم الموسيقية الخاصة، والتي كانت تجد متنفسًا ضيقًا لها في أمثال عبد الباسط حمودة، وحكيم، وسعد الصغير وغيرهم.

وبالفعل شارك العديد من الفنانين المصريين في الثورة منذ بدايتها أو في أيامها الأولى، كما ظهرت عقب الثورة تيارات فنية عديدة حاولت التعبير عن الحالة الثورية في الشارع، ونقل الثورة إلى ميدان الفن خالقة ما يشبه الانتفاضة الشعبية على أشكال الغناء السابقة وسدنتها، ولا يغيب عنا ما قدمه ألتراس أهلاوي وزملكاوي من أغانٍ ثورية، وما قام به فنان مثل حمزة نمرة، وفرق «الأندرجراوند» التي وثق لنشأتها وقمع السلطة لها فيلم «ميكروفون» قبل الثورة، ووجدت المتنفس لإبداعها بعد الثورة، كلها كانت محاولات حملت روحًا ثورية من ناحية الشكل والمضمون، وفي السياق نفسه خرجت أغاني المهرجانات منذ 2011 على يد فرقة الدخلاوية وفرقة أوكا وأورتيجا ومن جاء بعدهم كتعبير شعبي عن حالة الحنق على الغناء الشعبي (أو بالأحرى الشعبوي) السائد، ومحاولة خلق ثورة عليه ولو من حيث الشكل (التوزيع الموسيقي بالأساس)، ووسيلةً للصعود الطبقي لدى بعض المهمشين، ويجب هنا التنويه إلى وجود إرهاصات لهذه المهرجانات قبل ثورة يناير ولكنها لم تجد المنابر أو الاحتفاء الموجود الآن.

وفي سياق بحث النظام عن وسيلة لاحتواء هذا الطوفان الفني الشعبي والشعبوي الذي كان قادرًا على إغراق المؤسسة بسدنتها بشكل كامل، وجدوا هذه الوسيلة في أغاني المهرجانات، فبالتوازي مع قمع كل أشكال التعبير الشعبي الفني من أغانٍ ذات مضمون ثوري أو نقدي – كما حدث لجمهور الألتراس وحمزة نمرة وفرق الأندرجراوند.. إلى آخره – كان هناك سماح واحتفاء علني بالمهرجان.

كان ظهور وانتشار موجة أغاني المهرجانات التي تعبر عن مزاج شعبوي، خاصة مع الخنق المتواصل لكل أشكال التعبير الشعبي الأخرى، هي نتاج لحالة توازن ما بعد الخلخلة التي خلقتها الثورة المصرية. بين الجماهير الطامحة في التغيير ما بعد الانتصار الجزئي في 25 يناير، وبين النظام الساعي لخلق حالة استقرار خصوصًا بعد الانتصار الذي حققه في 30 يونيو، فرضا السلطة عنها والقبول الجماهيري الواسع لها ناتج عن هذه الحالة.

فطالما أن ما يقدم يحمل محتوى فنيًّا جديدًا من حيث الشكل نسبيًّا، ولكنه فارغ من حيث المضمون أو في أقصى الأحوال يحمل مضمونًا شعبويًّا يكتفي بالبكاء على أطلال الفقر أو استعراض القوة والزعامة بشكل فردي، فهو يتناسب مع الخطاب السياسي للمرحلة، وبالطبع سيكون محل ترحيب من النظام.

وطالما أن مضمونه لا يمس أية خطوط حمراء، ولا يحتوي على أي خطاب ثوري أو نقدي، فلن يتم فقط السماح به والترويج له، بل الاستثمار فيه أيضًا، كما نلاحظ في ما تنتجه شركات مثل «سينرجي» وغيرها من شركات الإنتاج الفني التابعة للمخابرات وأجهزة أمن النظام.

ليس هذا فقط، بل إن هذا النمط أصبح محل احتفاء من قبل البرجوازية الحاكمة كلها، والتي كانت في السابق تحتقر مثل هذه الأشكال الفنية، وتعرضها مادةً للتندر قبل الثورة، ولنا في محمد رمضان أوضح مثال على هذا.

ولكن لأن الشكل والمضمون وجهان للعملة نفسها؛ فالنظام الحاكم يعلم جدًّا خطورة السماح لهذه الأشكال الفنية دون رقابة واحتواء، سواء عبر نقابة المهن الموسيقية أو عبر أجهزة الأمن المختلفة، أو عبر دمجها ماليًّا في الطبقة الحاكمة (خلاف حمو بيكا ونقابة الموسيقيين حول القيد بجداول النقابة مثالًا).

لذا يواظب النظام على الرقابة والفرز واختيار الأكثر أمانًا له؛ حتى لا تتفاقم هذه الأشكال التحديثية وتطرح محتوى جديدًا من جهة المضمون، فمن الخطر على نظام يعتمد الاستقرار هدفًا له أن يعتاد من يحكمهم على مشاهدة أو تقديم الجديد باستمرار، فهذا قد يخلق لديهم قناعة أن التجديد والتغيير هو الأصل، ومن النماذج على ما قد يحدث لو سمحت الدولة بانطلاق المخيلة الشعبية دون رقابة، حالة الاحتفاء الشديد عبر أغاني المهرجانات بما قام به شخص مثل محمد علي في الفترة الماضية.

يعلم النظام جيدًا، وأكثر بكثير من الفنانين أنفسهم، أن معارضة الكتاب والفنانين هي إحدى القوى التي يمكن أن تسهم في تعرية النظام وإسقاطه، وبالتالي لن يسمح سوى بكل ما هو مستقر وسائد، وفي أقصى الأحوال، وتحت ضغط المزاج الشعبي الناقم، سيسمح بتغيير بسيط من حيث الشكل دون تغيير يذكر في المضمون، مع الحرص على شراء الولاءات وضمان ألا يتحول التجديد إلى قاعدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد