لا يمكن فهم خطوة دولتي الإمارات والبحرين بٕإقامة علاقات رسمية (دبلوماسية وفي جميع المجالات) مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، من خلال تفسيرات وتأويلات تُعنى بسياق التحالفات لمواجهة طرفٍ ما أو لوجود «خطر» محدق بأطراف الاتفاق يقتضي بها «الإسراع» لإبرام معاهدة أو تعاون مشترك في المجال الأمني، مثلًا، لدرء هذا «العدوان».

يمكن القول إن إدارتي الرئيس الأمريكي ترامب وحكومة الاحتلال نتنياهو ارتأيا خلال السنوات القليلة الماضية أن تُحيكا خططًا وأفكارًا لاعتبارات شخصية بحتة، يراد بها تصوير ترامب كرجل سلام (وهو كعادته يهوى إنجاز الصفقات)، لدعم فرصه بالمعترك الانتخابي الرئاسي القادم، بإنهاء ولايته الأولى بإنجاز «يحسب له» في الأوساط الأمريكية، بنخبها وتشابك تعقيداتها السياسية والاقتصادية وغيرها، ثم احتفاء المؤسسات الإسرائيلية والشارع الإسرائيلي بالمجمل، وهذا يمنح رئيس الحكومة نتنياهو حيزًا مهمًا في التاريخ الإسرائيلي (طبعًا هذا شأنهم وليس التاريخ ككل). ورجوعا لمسألة الانتخابات، فنتنياهو يسعى منهمكًا للاستمرار بجلوسه في منصب رئيس الحكومة، وإعادة ترتيب موقعه السياسي تحت اعتبارات مختلفة، أهمها (محاولة) دمج إسرائيل ضمن المنطقة العربية، للالتفاف على القانون والتهرب من قضايا الفساد المتعلقة به.

أما حكام الإمارات والبحرين، فبدايةً، كونهم يفتقرون لشرعية الحكم، فقد استغل ترامب ذلك، وكانت ورقة ضغط لاستجابتهم والقبول بتوقيع الاتفاق مع إسرائيل. وهذا ماثل في سياساتهم الخارجية منذ عقود، وكانت جل الإدارات الأمريكية والحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تتعامل مع بعض الدول العربية، ومنها الخليجية، على قاعدة التبعية والهيمنة وفرض الإملاءات. ومنها على سبيل المثال لا الحصر: التعاون الخليجي مع الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، والتخاذل في ملف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بعد أن كانت مبادرة ولي العهد الأمير السعودي عبد الله بن عبد العزيز (لم يكن ملكًا حينها) عام 2002 مرجعيتهم لحل الصراع، ثم التدخل في شؤون الدول العربية وتخريب ثوراتها بثورات مضادة ودعم الانقلاب على نماذجها الديمقراطية وليدة الثورة.

إقليميًا، أدت التدخلات الإيرانية في عدد من الدول العربية، وتهديد طهران المتواصل «للأمن الخليجي»، إلى إفساح المجال لهذه الدول (الخليجية) لجعل «البعبع الإيراني» فرصة لإقامة «تحالفات» واتفاقات مع دولة الاحتلال الإسرائيلي. بالرغم من ذلك، فإن هذه الدول العربية التي تُطّبع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي وتخشى على أمنها من التهديدات الإيرانية، تُدرك أن إسرائيل أو الولايات المتحدة لن تواجها إيران عسكريًا، إلا إذا تم تهديد «الأمن الإسرائيلي»، أو الأمريكي، وليس الأمن العربي أو الخليجي.

ولكن تبقى هذه التحليلات مرهونة بالمتغيرات الإقليمية والدولية؛ وخاصةً مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية وفرص ترامب بالفوز بولاية ثانية. وهذا قطعًا سيعزل الفلسطينيين ويضعهم موضع «معرقل السلام الإقليمي»، هذا فضلًا عن قطع خطوط الإمداد السياسي للفلسطينيين بعد رفضهم الصارم لخطط وقرارات أحادية الجانب تنهي ملف الصراع العربي الإسرائيلي، دون الاعتبار لأي حق أو مطلب فلسطيني، خاصةً أن أبوظبي تسعى للعب دور أكبر في عدة ملفات عربية من خلال سياسة «الكيل بمكيالين»، ومحاولتها إبراز «الدبلوماسية الإماراتية الجديدة» لقيادة العرب، بعد تراجع المكانة التقليدية لصديقاتها من دول «الاعتدال العربي».

لكن الذي تجدر الإشارة إليه هو أن الاتفاقيتين الخليجيتين الأخيرتين مع إسرائيل كانتا حصاد سنوات من اللقاءات والزيارات والاتصالات المتبادلة مع دولة الاحتلال. فمثلًا، كانت حادثة إرسال الطائرة الإماراتية إلى مطار اللد المحتل في حزيران (يونيو) العام الجاري خطوة تطبيعية علنية، أفضت لإعلان التوصل لاتفاق مشترك لإشهار العلاقات بين الحكومتين رسميًا.

إجمالًا انطلقت السطور من فرضية تستند على التحليل «النخبوي» في محاولة الإجابة عن سؤال: لماذا التطبيع الآن؟ وضرورة تحليل الحدث من زاوية قراءة عقول صناع القرار، ولماذا يفعلون ذلك؛ فالعالم أجمع يدرك أن الولايات المتحدة بلد «المصلحة القومية العليا»، وإسرائيل كيان الانتهازية والوصولية دون أن تمد يد العون لأي طرف (خارج فضائها) إذا ما تحققت لها غاية. والأهم من ذلك، مسألة أن تدافع عن طرف ضد آخر، وما سوريا ولبنان إلا مثال على ذلك. وهذا بحد ذاته موضوع يستحق الاهتمام بحيثياته ومآلاته، لفهم مثلًا، كيف وصلت إيران الحدود السورية الإسرائيلية، في الوقت الذي ينهمك فيه البعض بالقول إن التطبيع الأخير جاء لمواجهة طهران؟ ولا يكفي أن نلحظ ذلك بالتأييد المفرط أو إعطاء دور طرف ما أكثر من حقه!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد