1- ضَعف الوازع الدِّيني

مِن أكثر الأسباب التي تجرُّ المنتحرين إلى الانتحار هو ضعف الوازع الدِّيني عندهم، إنْ لـمْ يكن هو أوَّل الأسباب، فالدِّين بالنسبة للبشر هو منشِّط روحي للمُضيِّ قُدمًا، وصمَّام أمانٍ مِن الوقوع في حوادثِ الحياة على تنوُّع أشكالها، وتفاوتِ درجاتها.

بالدِّين يُمكن للإنسان أنْ يفهمَ أنَّ حياته لا تقتصر على الحياة الدُّنيا وأنَّ هناك حياة أخروية موعود بها، حياة خالدة لا تشبه هذه الحياة المؤقتة والمريرة، ومَن نظر بعين الدِّين إلى عواقب الأمور في بداياتها أمنَ مِن كلِّ الحواجز التي تعترضه في هذه الحياة التي لا تزيد عن كونها محطَّة للعبور.

والملاحظ في واقعنا أنَّ الأشخاص الذين هم على مقربة مِن الدِّين أكثرهم تفاعلًا مع الحياة، وأقربهم تفاؤلًا بالحياة؛ حيثُ ترى فيهم مَن يسأل الله مِن خير الدنيا، وفيهم مَن يدعوه بطول العمر مع حسن العمل، وفيهم مَن يعمل جاهدًا في تغيير المفاهيم السَّوداوية عن الحياة.. على خلاف الذين قطعوا الحبل السري الذي يربطهم بالدِّين، فإنكَ تجدهم على شاكلة واحدة، يفتقرون للسلام الدَّاخلي، وزواياهم حادَّة، ونظراتهم أُحاديَّة، ودوائرهم ضيِّقة.

2- فقدان الثقة بالنفس

أن يفقد الإنسان ثقته بنفسه يكافئُ مَن علَّق نفسه في حبل المشنقة، ذلك أنَّ النفس عدوٌ خفيٌّ لا يظهر للعيان، ينبغي التصدِّي له بكل وسيلة يُمكنها رفع المعنويات، وإبقاء بطارية الثقة مشحونة مِن أجل مزيد مِن الدفع، وقدرة أطول على الوقوف.

إنَّ ثقتنا بأنفسنا درع نتدرَّع به مِن سهام التثبيط، لا سيما وأننا نعيش في بيئة مُثقَلة بالإحباط، ومملوءة برغبة جامحة في تكسير مجاديف الناجحين، لذلك يجدر بالإنسان هنا أنْ يُعزِّز الثقة بنفسه، كأنْ يُكثر مِن قراءة الأمور الإيجابية، وينتقي أصدقاءً يُظهرون له النور في كلِّ ظُلمة، والفسحة في كل ضيق، وبصيص الأمل في كلِّ استسلام.

ونحن إذْ نحتكُّ بواقع إيجابي فلأننا لا نُريد أنْ نضع حدًّا لحياتنا، ولا أنْ نرضخ بواقع ضنكٍ يُصوِّر لنا الحياة ثوبًا أسْوَد، لا تستحقُّ أنْ تُعاش فضلًا أنْ يطمح فيها الإنسان إلى أنْ يعيش!

ربَّما لا أحد يعتقد أنَّ جلَّ الذين انتحروا إنَّما فعلوا ذلك نتيجة تراكمات وأدتْ فيهم الرغبة في الحياة، ومشاعر سلبية جعلتهم ينظرون إلى أنفسهم أنَّهم عالة على المجتمع، وأنهم أقل حظوظًا مِن غيرهم، وأنَّهم جاءوا إلى الدنيا خطأً فلا جريمة في أنْ يُنهوها بملءِ إرداتهم حتى لو كانت النهاية خاطئة.. الأمر الذي يجعلنا لا نستهين بأمر الثقة، ومدى العواقب التي تُخلِّفها عند فقدها، بل لا عجبَ لو قلنا إنَّ جميع الذين انتحروا تشابهوا في نقطة فقدان الثقة بأنفسهم؛ لأنَّ الواثق بنفسه متدفِّق بالحياة، حتى أنكَ تراه يودَّ لو أنه أُطيل في عمره طمعًا في مزيد مِن الإنجازات، وأملًا في ترك بصمة خلفه.

أمَّا مكسور الثقة فقد قتل في نفسه معنى أنْ يظلَّ على قيد الحياة، لذلك لا يُعتبر قرار الانتحار منه أمرًا مفاجئًا، لأنه أساسًا مات مِن الداخل، وما بقيَ عليه إلَّا أنْ يُثبتَ للرائين بانتحاره أنَّه ميت، فاليشيِّعوه ويقبروه إنْ هم أرادوا، أو فليتركوه مهملًا كجثة هامدة، لا معنى لشكل جنازته وقد فقد أساسًا معنى الحياة قبلها!

مثل هؤلاء الناس ظلموا أنفسهم إذْ اعتقدوا أنَّ الحياة قد ظلمتهم، ظلموا أنفسهم إذْ ظنُّوا أنَّ الانتحار هو آخر الحلول التي بين أيديهم، وأنَّ قتلهم لأنفسهم سيُخلِّصهم مِن كل الضغوطات التي يمرون بها، ولكن هيهات هيهات.. فالإنسان حينما يرحل من الحياة يُعتبر ذائقًا للموت وليس ميتًا، أي: أنَّه نُقل من حياة الدنيا إلى القبر، ثم ريثما تُقام الساعة ليُعاد نشره مِن جديد في حياة الآخرة، فيحاسَب إمَّا حسابًا يسيرًا فجنَّة وإمَّا حسابًا عسيرًا فجهنم خالدين.

وبناءً على ذلك: فالثقة بالنفس ركيزة مِن ركائز قيامها، ومادَّة نشطة تُقوي مناعة الإنسان الذهنية لمجابهة ما لا يُطاق عيشه، وتجاوز ما لا قُدرة له على تحمُّله، الأمر الذي يُلزمه الحفاظ عليها ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، ولا يسمح للمثبطات أن تأكل الحديد الذي بداخله، ولا للهشاشة أنْ تُفيرسَ خلايا مجهوداته، وهكذا يمكنه أنْ يتجاوز خطورة فقد الثقة، وبالتالي خطورة أن يضع حدًّا لحياته نتيجة فقدها.

إذْ كلما كان الإنسان مهزوز الثقة بنفسه كانت قابلية الانتحار عنده واردة جدًّا، فنحن عادة نعيش لأننا نملك ثقة أنَّ الحياة أهمُّ لنا مِن الموت، على الأقل قُبيل مجيئ الموت مجيءَ أقدار لا مجيءَ أسباب، وهذه الأهميَّة التي رجحت في كفة الحياة عن كفَّة الموت هي عامل رئيس في إنقاذنا مِن كلِّ مسببات الانتحار، الأمر الذي يوجب علينا استحضارها معنا استحضار الروح للنَّفَس والقلب للنبض.

ومعنى أنْ يثق الإنسان بنفسه يعني أنْ ينظر إلى المشكلة أنَّها ليست إلَّا مشكلة، دون أنْ ينفخَ في حجمها، ذلك أنَّ تحجيم المشكلة أخطر من الـمشكلة ذاتها.

وحبَّذا أنْ تكون هذه الثقة ذاتية المنبع لا خارجية، إذْ كلمَّا بلغ الإنسان مبلغًا مِن الوعي عمد إلى صُنع الثقة في نفسه بنفسه، وهو بهذا الصنيع يشبه الدولة التي تصنع سلاحها على أيدي أبنائها، فمؤكَّد أنَّ قدرتها على صنع سلاح محلي زيادة في القوة، وتعزيز للثقة، وترسيخ للأمن، على خلاف الدول التي تستورد أسلحتها فإنَّ قرارها ليس بيدها.

وهكذا حالنا نحنُ، إذا لـمْ تكنْ ثقتنا بأنفسنا ذات مصدرٍ داخلي، فلا محالة سنتحطَّم مع أول محاولة نقدٍ لنا، وبعض التحطيمات هي القطرة التي تُفيض كأس الانتحار!

3- المحيط السلبي

لا شكَّ أنَّ المحيط يلعبُ دورًا مهمًّا في تكوين عقلية الإنسان، فعلى قدر رقي البيئة التي نسكنها يرتقي الإنسان في تفكيره والعكس، بقدر ما تتخلَّف هذه البيئة يهبط مستوى التفكير، فتتسطَّحُ الأفكار، وتَسْوَدُّ المشاعر، وتنحرف السلوكات.

ولأن الإنسان لا يولد في بيئة يختارها حقيق به أنْ يُنقذَ نفسه إذا هو وُلد في بيئة لا تخدمه، كأنْ يصنع لنفسه بيئة خاصَّة به يتكيَّف بالعيش فيها، وتكون ملاذه الذي يلوذ إليه، وملجأه الذي يأوي فيه، وإنْ هو وُلد في بيئة مناسبة حظيٌّ به أنْ يستثمر فيها أيَّما استثمار، وأنْ يهتبل الفرص تلو الفرص في ارتقاء درجات القمة بما أتيح له فيها مِن مؤهلات.

إنَّ محيط الإنسان يشبه منطقة الجوار بالنسبة للوطن، فلا أحسنَ به مِن أنْ يُكوِّن علاقة طيبة معه، وأنْ يعمل على حراسة حدوده بأكبر عدد ممكن مِن الجنود والآليات، لسدِّ الثغرات، ومكافحة التهريب.. ذلك أنَّ ما يُنقل إلينا أو يحتكُّ بنا هو ما يحدِّد عادة مصائر حياتنا فيما بعد.

ونقصد بالمحيط هنا: الأصدقاء، والزملاء، ووسائل التواصل الاجتماعي كـ«فيسبوك» و«تويتر» و«واتساب».. وكلَّ شيء بيننا وبينه نقطة تماس، فلا يليق بالإنسان أن يُصاحب مَن لا يرى في الحياة قيمة تُذكر، ولا أنْ يُزامل مَن لا يرى إشكالًا في سلوك مسالك التهوُّر، ولا أنْ يُعمل وسائلًا تستنزفُ جهده وتقتل وقته بلا طائل.

ذلك أنَّ نظافة المحيط خادمة لصفاء الذهن، وصفاء الذهن هو الآخر ولَّاد للأفكار الإيجابية التي تحضُّ الإنسان على إطعام نفسه جملة مِن التحفيزات، وتغذيتها بدوافع الحياة، على خلاف تشوُّشه فإنه يشبه المستنقع، على قدر اتِّساخه يجذب البعوض إليه!

ومِن ثَمَّ يليق بالعاقل أنْ يتخيَّر كلَّ شيء محيط به، وألَّا يستصغر شيئًا سواءً كان مِن جنس الأرواح أو الجمادات، فلا شيء يخلو مِن طاقة تُؤثِّر فينا إمَّا بالإيجاب أو السَّلب، فليس الذي يقعد في باحة المسجد كمن يقعد قرب حانة للخمور، وليس مَن يُصاحب شخصًا فاتحًا صدره للحياة كمن يُصاحب آخر منغلقًا على نفسه كسلحفاة في صدفتها.

بهذا التفكير يمكن للإنسان أنْ يُنصفَ محيطه فيُعطي كلَّ شيء حقَّه مِن التأثير، ليقرر بعدها مَن يُقرِّب ممَّن يُبعد، ومَن يُخالل عمَّن يتخلَّى، وعلى قدر جودة اختياره ينعكس ذلك بالإيجاب عليه مِن حيث سماوية التفكير وسلام المشاعر، هذين اللذين يُعتبران شريانين للحياة السعيدة، فمتى كانَا في المستوى إلَّا حظيَ المعني بهما بواقع نابضٍ بالحياة، لا مجال فيه للتفكير بالتخلُّص مِنها بقدر ما يمتلئ فيه وقته بمزيد مِن الإنجازات التي تُبقيه حيًّا حتى بعد رحيله، وشتان شتان بين مَن يقتل نفسه وهو بعد على قيد الحياة، وبين مَن يضع نُصب عينيه أنْ يظل على قيد الحياة بعد موته!

4- ربط استمرارية الحياة بهدف ما

الحياة ليست هدفًا، ولا شخصًا، ولا مكانًا، ولا حلمًا، ولا قضية، ولا بلدًا، ولا وظيفة.. وإنما هي جُملة مِن هذه الأمور كلِّها، وكلُّ واحدٍ منها يُعتبر كالشعاع بالنسبة للشمس، هذه الأخيرة التي تُكوِّنها جملة مِن الأشعة.

وعلى هذا الأساس ليس مِن الإنصاف أبدًا أنْ نختزل الشمس كلَّها في شعاع واحد، كما أننا لا نقزم الجمهور كلَّه في مشجع، والحديقة في زهرة، والغابة في شجرة، والفريق في لاعب.

كذلك ينبغي على أهدافنا أنْ تكون متعدِّدة لا أحادية، متجدِّدة لا تقليدية، حتى يسعنا بعدها أنْ نستمرَّ في حياة تليق بنا أنْ نفخر بعيشها، وألَّا يعرف التذمر فيها طريقًا إلينا.

جلُّ الذين يُخمُّون بطريقة سوداويَّة عادة ما يُفكِّرون بنمطية الحصول على الشيء أو التخلي عن رغبة الحصول عنه، فإمَّا يصلون إلى ما يريدونه وإمَّا يرفضوا أنْ يريدوا بعدها شيئًا خَلَفًا له، كأنْ يدرس الإنسان مِن أجل أنْ يصير طبيبًا فإذا شاءت الأقدار ألَّا يكون له نصيب في الطب يُلقي الدنيا وراء ظهره، ولا يطمح لطموح بديل يملأ ثغرة أهدافه، أو أنْ يحلم بالزواج مِن فتاة ما فإذا هي لم تكن مِن قدره عاقبَ نفسه بالعزوبة طول عمره.

فمثل هؤلاء أسمِّيهم (أُحادِيُّو الأهداف)، وهذا النوع أكثر عُرضة للانتحار مِن غيرهم لا سيَّما إن جمعوا بين أحادية الهدف ورفض (الخطة ب)، لأنهم لا مناص سيعلقون في صنارة الصدمة إذا لم يُحقِّقوا أهدافهم التي رسموها، وقلَّما ينجو ناجٍ من التفكير بالموت إثر صدمة تعترضه!

ولذلك ينبغي على الإنسان العاقل أنْ يكون مرنًا في أهدافه، حتى يستطيع التنقل بين هدف وآخر، ويتجاوز الهدف الذي أخفق في تحقيقه إلى هدف بديل يُمكِّنه مِن التصالح مع نفسه ومحيطه ومع الحياة أجمع، أمَّا أولئك الذين يرمون المنديل عند أول هدفٍ لا يُكَلَّل بالتجسيد فهُم على شفير مِن الانتحار، يُنصح لهم أنْ يتخلَّوا عن مثل هذا الاختزال، ويفتحوا لأنفسهم فرصة استدعاء أهداف يُقعدونها في دَكَّة الاحتياط، ريثما يحين موعد لعب أوراقها، وإلَّا فإنَّ مجرد استحضار أنَّ هناك أهدافًا بديلة أمر مؤنس للنفس ومريح للروح.

ومنهم مَن يعتقد أنَّ وجودهم في هذه الحياة إنما هو لتحقيق سعادتهم التي يحلمون بها، غير مدركين أنَّ السعادة في هذه الحياة وإن كانت متاحة غير أنَّها ليست سهلة كالنزول مِن منحدَر، وإنَّما تحتاج مجاهدة كصعود جبل!

وهذه المجاهَدة تستلزم منهم أنْ يعيشوها إلى آخر رمق في سبيل إسعاد أنفسهم، أمَّا الاعتزال عن المحاولة عند عقبة مِن العقبات، والتسليم لتمويت النفس، فهذا لا شك انهزام ينبغي أنْ نشمِّر على سواعدنا مِن أجل الخروج منه، لأنه لا محالة إنْ بقيَ فينا سيجرُّنا إلى الانتحار!

وعليه مهما حدثَ.. وسيحدث.. لا تنطفئْ.

ولا تستسلم لأيِّ ظرفٍ طارئ، فربما هو ابتلاء ليقرِّبكَ الله منه، وأيقن أنَّ الحياة لا تقفُ عند خسارة صفقة، أو فقد شخصٍ، أو خيبة أمل، أو فشل علاقة.. وما هذه العثرات إلَّا دروس خصوصية لكَ ليَقوَى ساعدكَ، ويرشد عقلكَ.. فلا تُظهر للحياة أنكَ لم تتعلَّم من دروسها، وإلَّا لقَّنتكَ إيَّاها مَرة أخرى.

بالأمسِ رأيتُ شابًّا يضحكُ بصوتٍ مُرتفعٍ، هذا الشابُ ماتت أمُّه قبلَ شهرٍ فقط، لَا تعتقدْ أنَّ الحياةَ لا تستمرُّ بعدكَ، لا تعتقدْ أنَّ هناكَ شخصًا سيحزنُ على رحيلكَ للأبد، كلَّنا نعيشُ أحزانًا مؤقَّتة، ثمَّ سرعانَ ما نتماثلُ للنسيان، فيُصبحُ الأمرُ عاديًّا، وتُنسَى كأنكَ لـم تكن، وتُنسَى كأنَّهُ لـم يُبكَ عليكَ إلـى درجةِ النحيب.

أعرفُ زوجةً توفـي زوجها، وكانت تُحبُّه حبًّا شديدًا.. حين أخبروها بوفاتهِ شقَّت جيبها، ولطمت خدَّها، وأرادت أن تنتحر، بعدَ مُضيِّ سنواتٍ على وفاةِ زوجها، نسيتهُ وقرَّرت أن تُكملَ حياتها، هي الآن متزوجة وأمُّ لـخمسة أولادٍ منْ زوجها الثاني، الـحياةُ لـم تُخلق لنعيشها لشخصٍ فقط، ولا نحنُ خُلقنا لنُلخِّصَ السعادةَ فـي هذا الشخص.

5- كثرة الضغوطات النفسية

وهذه مِن أقرب أسباب الانتحار، فلا أحد يمرُّ بمشاكل نفسية إلَّا ويدسُّ الشيطان في نفسه شيئًا مِن كراهية الحياة واستحباب الموت، وليته موتٌ إيجابي كالذي دعا به سيِّدنا يوسف حينما اشتاق إلى ربِّه فقال: تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ. وإنما هو موتٌ سلبي فيه طعم الهروب مِن الحياة، والجبن على مواجهة أقدارها، وكأنَّ ما نعانيه مِن الضغط فوق أنْ نتحمَّله، علمًا أنَّ كلَّ ضغطٍ نعيشه على تفاوت درجاته هو ضغط قابل للتجاوز فضلًا عن التحمُّل، بدليل: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا.

وإنما ترجع استحالة هذا التحمُّل والتجاوز إلى الرسائل الذهنية السلبية التي يُرسلها عقل الإنسان إلى صاحبه، وبالتالي يصير الخلل ههنا له علاقة على مستوى الذهن لا على مستوى الواقع المعيش؛ إذْ مهما ساء الواقع فإنَّ سوءَه لا يبرِّر لأحد هروبه منه، سواءً كان هروبًا مِن حيثُ الحرمان المؤقت كرفض الاستمتاع بالعيش، أو من حيث الحرمان المطلق كارتكابه لجريمة قتل نفسه!

إنَّ الضغوط النفسية هي مرض وليد التراكمات، ولأن الإنسان بطبعه يملك قابلية التصدِّي للعدوِّ كلَّما قلَّ عدده، حريٌّ به أنْ يواجهه وهو إذْ ذاكَ بهذه القلة، ولا يُماطل فيستحيل هذا الضغط القليل إلى ضغط كثير؛ لأنَّ المهمَّة بعدها قد تعسر.

وبالتالي فأنسب وقت لإنهاء الضغوط النفسية حينما تكون في طورها الجنيني، دون منحها فرصة للنموُّ، فإنَّ نموُّها يُقوِّي عضلاتها، ويُثقل وزنها، ومعلوم أنَّ قوة الضغط النفسي ليست في صالح الإنسان أبدًا، ذلك أنَّ قوته تقتات مِن ضعفه؛ أيْ أنَّ الضغوط النفسية تشبه مرض السرطان، كلَّما زاد في الانتشار أضعفَ مناعة المريض على مقاومته، وعلى هذا الأساس ينصح الأطباء بالتعالج عند أوليات ظهوره، وليس عند تفشِّيه وانتشاره في كامل الجسم!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد