فكرةُ الإخوان المسلمين! انبثقت من الإسلام؛ فهي ابنةُ الإسلامِ الغراءُ، وهي فلذةُ كبدِ الإسلامِ الشماءُ، وهي روحُ الإسلامِ الوثابُ الوقادُ، وقلبُ الإسلامِ النابضُ، المتدفقُ، الوهاجُ.

فهي قد انطلقت من الإسلام، وهي منه وإليه. والإسلامُ والإخوانُ المسلمونَ، صنوانٌ، متشابهانَ، متماثلان، متلاصقان، لا يفترقان، ولا ينفصمان عن بعضهما البعض البتة.

فالذي يحبُ الإسلامَ الصافي النقي حبًّا جمًّا، وحبًّا حقيقيًّا، وصادقًا، ويطبقه تطبيقًا عمليًّا، سيجد نفسه تلقائيًّا، وإيمانيًّا، وعقديًّا، يحبُ الإخوانَ المسلمينَ.

والعكسُ صحيح! فالذي يكرهُ ويمقتُ الإسلامَ الخالصَ من البدعِ، والضلالاتِ، والشوائبِ التي علقت به، سيجدُ نفسه تلقائيًّا، ونفسيًّا، ومزاجيًّا يبغضُ، ويكرهُ الإخوانَ المسلمينَ. لأن صاحبَ البدع، والأهواء، يُسول له الشيطانُ، ويُملي عليه أوامره، ويُزين له المنكر، ويدفعه دفعًا إلى أن يكره كلَ شيءٍ يمتُ بأي صلةٍ إلى الإسلام الصافي النقي.

والإسلامُ هو الذي يُغَذِّي فكرة الإخوان المسلمين، ويمدها بالنسغ الحي، فيجري في خلاياها، وفي عروقها دمُ الإسلام الصافي الخالص من أي شوائب، لصقت به عبر الأجيال.

فهي تمثلُ الإسلامَ بكل عظمته، وبكل شموله، وبكل آفاقه الرحبة، الشاسعة، الواسعة، وبكل نظامه الفريد من نوعه، ومنهاجه الرباني، الذي وسع كل شيء من أمور الحياة، صغيرِها وكبيرِها، ودقِها وجُلِها.

فالمسلمُ – سواءً المرتبطُ بفكرةِ الإخوانِ المسلمينَ، أو الملتزمُ بفكرةِ الإسلام العام – منذ أن يستيقظَ من نومه في الصباح، إلى أن يعود إليه في المساء، يمارس حياته كلها الفردية، والأسرية، والعائلية، والمجتمعية، والحكومية، والدولية، والسياسية، والاقتصادية، على منهج الإسلام، كما جاء من عند الله.

من أسس وشكل فكرة الإخوان المسلمين؟

فكرةُ الإخوانِ المسلمينَ انبجست، وتفجرت، وتدفقت، وترقرقت كالسلسبيل الزلال، على يد شاب يافعٍ، طموحٍ، مغوارٍ، مقدامٍ، غير هيابٍ، ولا وَجِلٍ، ولا خائفٍ، ولا جبانٍ، شجاعٍ، جريءٍ، يبتغي العلا، ويرنو إلى كسب المعالي، والوصول إلى قمم المجد، يُدعى «حسن البنا».

هذا الرجل العظيم، النشيط ، الحركي، الديناميكي، كرَّسَ حياته كلها منذ نعومة أظفاره، للدعوة إلى الإسلام، وإلى هداية الناس إلى الواحد الديان، وذلك في أوائل القرن الرابع عشر الهجري، الموافق أوائل القرن العشرين الميلادي.

فقد استدار الزمانُ كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، بعد زوال، وتَحَطُم، وتدمير، وتمزيق آخر دولة كانت تحكم بالإسلام، على يد يهودي خبيثٍ، ذميمٍ، حاقدٍ، ضَغِنٍ على الإسلام وأهله، بالتعاون مع تحالف الشر الصليبي، الصهيوني، الماسوني، في أوروبا وأمريكا.

وأضحى الناس فَوْضَى لا تمـرُّ بهم، إِلاّ عـلى شهوات ونزوات، قد هام في متعها، والناس يَعُبون من شهوات الدنيا وملذاتها، يسرحون، ويمرحون، ويرتعون، كما ترتعُ الأنعام، لا يعرفون ربًّا، ولا دينًا، ولا خلقًا.

والأَرضُ غدت مملـوءَةً جورًا، ومُسَـخَّرَةً لكلّ طاغيةٍ فـي الخَـلْق مُحتكِمِ. والخلقُ يَفْتِك أَقواهم بأَضعفِهم، كاللَّيث بالبَهْم، أَو كالحوتِ بـالبَلَمِ.

فجاء هذا الشابُ الشهمُ، الأشمُ، ذو المروءة، والنخوة، والغيرةِ، المتوقدُ حيويةً ونشاطًا. فكان هبةً من الله تعالى للمسلمين، لتجديد دينهم، ولبعث نور الإسلام من جديد، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، تطبيقًا للحديث الصحيح المروي عن أبي هريرة «إنَّ اللهَ يبعثُ لهذه الأمَّةِ على رأسِ كلِّ مائةِ سنةٍ من يُجدِّدُ لها دينَها».

فانطلق يجوب القرى والأرياف في مصر الكنانة، يدعو إلى الله على بصيرة، ودخل إلى المقاهي، والمسارح – التي لم يفعلها أحد من العالمين، لا من قبله، ولا من بعده – ودعاهم إلى الله تعالى؛ فاستجابوا له؛ وساروا وراءه متلهفين إلى الخروج من الظلمات إلى النور، لما وجدوا من إخلاصه؛ وصدقه؛ وتفانيه؛ وتضحيته بوقته، وماله في سبيل الله.

ومن ثَمَّ! شكل جماعةَ الإخوان المسلمين؛ على أركان الإسلام الصحيح؛ ودعائمه الراسخة الوطيدة؛ ومبادئه الثابتة؛ ومنهجه الرباني، واستجابة لأمر الله
تعالى ﴿ولتكن منكم أمةٌ يَدعون إلى الخيرِ ويأمرونَ بالمعروفِ ويَنهَوْنَ عن المنكرِ وأولئك هم المفلحون﴾ آل عمران
104.

فكانت أول جماعة مسلمة، تظهر إلى الوجود؛ تعمل على إحياء القلوب؛ وإحياء الهمم الميتة؛ المتخاذلة؛ المستكينة، وتعمل على إيقاظها من رقدة العدم، لم يدانيها، أو يَبُزها أي جماعة أخرى، بنقاء أفكارها، وصفاء تصوراتها، وخلوصها من الشوائب، والبدع، والضلالات، على الإطلاق.

فأحيت بأفكارها المستنيرة، أجيالًا من الرمم، وهبت شعوب من منيتها، واستيقظت أممٌ من الشباب، ومن أصحاب الكفاءات العلمية العالية، من خمولها، ومن غفلتها، ومن سباتها، تلتقط أفكارها الجديدة، وتتأسى بها، وتطبقها بحماسة منقطعة النظير.

انطلاق الصحوة الإسلامية

وانطلقت الصحوة الإسلامية، تنتشر في الأرض كلها، ممتدة من أقصى الشرق في نيوزيلاندا، إلى أقصى الغرب في كاليفورنيا، انتشار النار في الهشيم.

وانطلق الشباب المتعطش إلى الإسلام، يلتفون حولها كالشُّـهْبِ بالبدرِ، أَو كالجُند بـالعَلمِ، وينهلون من نبع علومها الصافية، الرائقة، كالزلال السلسبيل، المأخوذة من ينبوع الهدي النبوي الراشد الأصيل.

وهذا ما أحدث خوفًا، ورعبًا، وهلعًا لدى أعداء الإسلام المتربصين به الدوائر، والمكيدين له المكائد، فقرروا في ليلة ظلماء، سوداء، قاتمة، مظلمة، على ضرب هذه الجماعة الفتية الناشئة، واستئصال شأفتها، وإطفاء نور الله بأفواههم، وبأدواتهم الخبيثة.

فقرروا قتل أميرها، وإمامهاـ ومرشدها، وهو لا يزال في ريعان الصبا، والشباب. حيث كان عمرُه لا يتجاوز الثالثة والأربعين سنة، فأصدروا أوامرهم الخسيسة، اللئيمة، إلى الملك فاروق المستكين، الذليل، ليقضيَ عليه، وتحقق ذلك في الرابع عشر من ربيع الآخر 1368 هـ، الموافق الثاني عشر من فبراير (شباط) 1949م.

مقتل الإمام حسن البنا كان عيدًا عند الغربيين

وقد كان يوم مقتل الإمام المرشد؛ عيدًا كبيرًا ويومًا مشهودًا حافلًا، ومثيرًا، لم يحصل من قبله، ولا من بعده، مثيل له، في أوروبا وأمريكا على الإطلاق.

حيث خرج الناس بالملايين – لحظة انتشار خبر استشهاده – إلى الطرقات، والساحات، والشوارع، يرقصون؛ ويغنون؛ ويشربون نخب احتفالهم بموته؛ ويعزفون ألحان الانتصار الكبير الباهر، على رجل وحيد، ضعيف، لا يملك أي قوة مادية، ولا أي منعة، ولا حماية تذود، وتدافع عنه. غير أنه كان يشكل خطرًا ساحقًا، ماحقًا لأعداء الإسلام.

ومن بعدها فُتحت السجون، لملئها بشباب الإخوان المسلمين المجاهدين، العائدين من حرب فلسطين. ومنذ ذلك الحين! بدأت المحنة القاسية، الشديدة اللأواء، والأيام القمطريرة العابسة، وليالي الامتحان المستطيرة المتجهمة؛ تصب جام غضبها عليهم، وتصليهم نارًا حامية الوطيس.

وأخذت المكائد، والمؤامرات تترى، والانتقام اللئيم الخسيس، يتتابع. لا لشيء! إلا لأنهم آمنوا بالله، واليوم الآخر، وقالوا ربُنا اللهُ، ودستورنا القرآنُ، وديننا الإسلامُ، ورسولنا وقائدنا محمدٌ، صلى الله عليه وسلم.

وأخذ تحالف الشر المعادي للإسلام، يحرض حكامَ المسلمين الموظفين لديه، ذوي الجبروت، والاستبداد، والطغيان ليعمل على قمع، ومحاربة الإخوان المسلمين بكل الوسائل الغليظة، الشديدة البأس، والطرق الجهنمية الدموية – بالسجن، والاعتقال، والتعذيب، والقتل – وبالوسائل الإعلامية، لتشويه صورتهم، وتبغيضهم إلى أبناء المسلمين، وتنفيرهم منهم، وإلصاق التهم الباطلة، الكاذبة بهم.

فأصدر المقبور الهالك حافظ، قانونه المشؤوم رقم 49 لقتل كل من ينتسب إلى فكرهم. وقبله المجرم الأول، وأستاذ الطغاة عبد الناصر، الذي كان يعتقل أقرباء الإخوان حتى الدرجة السابعة.

فكانت الاتهامات في القرن الماضي؛ أنهم رجعيون، متخلفون، يريدون إرجاع الناس إلى عهد الإبل، والخيام. أما في هذا القرن، فقد تغيرت الاتهامات، وأصبحت موضة العصر، «الإرهاب» هي السائدة، والمنتشرة في وسائل الإعلام العالمية المختلفة.

وبما أنه لا توجد على الساحة وسائل إعلام حرة، ومضادة للوسائل الرسمية، والحكومية؛ لتصحيح الأكاذيب؛ ودحض الاتهامات الباطلة؛ المزيفة؛ فإن هذه الوسائل الخبيثة، أخذت تستمر في غزوها لعقول الدهماء، وذوي الأحلام الضعيفة، وذوي الأفكار العلمانية الرقيعة، وذوي البدع، والضلالات، ومشايخ السوء، وعلماء السلاطين، الذين هم أصلاً وابتداءً يكرهون فكر الإخوان المسلمين.

فهم بطبيعتهم، وجِبِلتهم، وثقافتهم، التي تلقوها من أسيادهم، ومعلميهم، ومشايخهم، يمقتون هذا الفكر أشد المقت، وينسبونه تارة إلى الوهابية، وتارة إلى السلفية، وتارة إلى داعش. وذلك لما يحمل من تبعات، ومسؤوليات، ومتطلبات، لا يقدر على حملها هؤلاء الرعاع.

فهم يريدون إسلامًا مهجنًا، مدجنًا، سهل التطبيق، ويساير الأهواء، ولا يمنع اللذات الدنية، والشهوات الرخيصة، ولا يؤدي إلى الاصطدام مع الحكام الفجرة، الكفرة، الفسقة، المردة، ولا يؤدي إلى السجن، والتعذيب، والقتل.

وجوب التمييز بين الفكرة، وبين أتباعها

وهنا لا بد من لفت الانتباه، إلى نقطة جوهرية، ومهمة جدًّا، وهي التفريق بين فكر الإخوان المسلمين، وبين من يحمل هذا الفكر – سواءً كانوا أفرادًا أو قيادات – كما هو الحال بين فكر الإسلام، وبين المسلمين.

فليس كل من ينتسب إلى الإسلام، يطبق الإسلام كما ينبغي، وكما يجب. وهذا حال جميع الأفكار والعقائد، يوجد فريق يطبقها، وفريق آخر لا يطبقها.

لذلك، ليس كل من ينتسب إلى الإخوان المسلمين، يطبق فكرهم كما يجب، وكما ينبغي. وخاصة لدى قيادات الجيل المتأخر، التي أصبحت مهلهلة، ومفتتة أساءت أيما إساءة إلى فكرهم، وقدمت للأعداء تنازلات كبيرة، بقصد أن يرضوا عنها، ولكن الأعداء لم يرضوا عنها، ولن يرضوا عنها.

ولا يزالون يشنون عليها حربًا هوجاء، شعواء، يريدون أن يُطفئوا نور الله، ونور فكرها الوقاد، بأفواههم. بالرغم من حالة الضعف الشديد، الذي تمر به، ومع ذلك هم يرتعبون، ويخافون منها أشد الخوف. والله متم نوره، ونورها، ولو كره الكافرون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد