قد يكون هذا المقال بعيدًا كل البعد عن العلم، لكنه أقرب لعُصارة الكثير والكثير من التجارب، حكاها من عاشوها وتألموا منها لفتراتٍ طويلة، ورُبما لا يكون كل هذا شيئًا منطقيًا أبدًا، لكننا من جربنا نعلم أنه منطقيٌّ لنا ولمن أحبونا وعايشوا معنا ما عايشناه بكل ألمه، ورُبما يكون هذا الكلام من صفات العلاقات المؤذية المدعوة باسم الـ«Toxic Relationships» كما نعرفها بيننا الآن.

البداية..

كنت أتناقش وصديقتي حول الماضي ووجود بعض التجارب المؤذية التي لا بد للإنسان من المرور بها، وبدأنا في ضوءِ حديثنا نجتمع على بعض الصفات والمواقف الموجودة قطعًا في كل شخصٍ قد عاصرناه وسبب لنا أذىً نفسيّا فيما بعد، فقررت صديقتي أن تُصيغ سؤالًا مهمًا: «لماذا ينجذب إلينا المرضى؟»، ومن هنا بدأت الفكرة والتأمل في إجابةٍ ما قد تكون صحيحة أو – على الأقل – قد يربط البعض بها مواقفهم كذلك.

اتفقنا أننا كنا قد جذبنا أشخاصًا كُثر في فترةٍ ما حيث كنّا أكثر تفاعلًا ونشاطًا، سواء على مواقع التواصل الاجتماعيّ أو في الجامعة مثلًا، تلك الفترة التي بدى فيها الشباب أكثر حماسًا وانفعالًا، تُحيطهم هالة من الاجتماعية والشهرة بين هذا وذاك، فكنّا نجد كل من هبّ ودب يُحاول التودد لنا والتقرب منّا؛ لأننا محببون بين الكثيرين والحقائق تُثبت أن هذه الصفة محمودة جدًا، بل مفيدة للبشر: أن يكونوا محبوبين.

ولأن الدنيا في تقلُّبٍ دائم حري بالأمور التغيّر، لذلك أتت فترات على الشباب المتحمس وقد خَفُتَ حماسه قليلًا وصغرت دوائره حيث أصبحت للموثوقين فقط لا للجميع كالسابق فبدأت تظهر أمورًا لم نراها في سنين اللعب والمرح الفائتة، هنا تأتي المرحلة عندما يظهر لنا أشخاصًا يستطيعون إحداث الأذى دون أن يرف لهم جفن، مرةً يكون خفيفًا هينًا يُمكن تجاوزه ومرات لا يُقبل، حتى ينتهى الحال بهؤلاء الشباب المتحمسين الواثقين وقد تكسرت أشياءً جميلة بداخلهم!

وحتى يكون الكلام جديرًا ببعض الثقة، مرتبطًا بالقليل من الناس قررت سؤال عدد من الأصدقاء والمعارف حتى أستطيع تجميع الصفات الأكثر بروزًا من بين صفات الأشخاص الذين ندعوهم بالمرضى دون أن نتردد في نعتهم بذلك، وأظن أن بحثي كان مثمرًا، لنتشاركها جميعًا كأصدقاء في ساعة صفا.

ما هي مشكلة هؤلاء المرضى؟

هنا سأترك مساحةً لا بأس بها لسرد بعض الصفات المتفق عليها بين من سألتهم، في تسلسل أراه منطقيّ من وجهة نظري، وقد لا يكون كذلك في وجهات نظر أخرى.

أولى وأكثر الصفات التي بدت كمُسببٍ منطقيّ لِما يليها، كانت صفة عقدة النقص. لماذا عقدة النقص بالذات؟ في الواقع، إن الشخص الذي يُعاني من عقدة النقص هو شخصٌ يملك صفةً من الصفات التي تجعل صاحبها يكره حقيقة أن يرى غيره أفضل منه. أصحاب عقد النقص يشعرون أنه من الأسهل بالنسبةِ لهم أن يكرهوا الأنجح منهم على أن يُحاولوا العمل على أنفسهم، لذلك كان من المنطقيّ أن تكون هي الصفة ذاتها التي تدفع صاحبها كثيرًا لمحاولة التقرب أثناء فترات النشاط – المذكورة سابقًا – واكتساب الثقة حتى يستطيع بعد ذلك هدم الطرف الآخر بسهولة.

يأتي في المرتبة الثانية، البدء في بث شعور التملُّك – كما وُصِفَ لي حرفيًا – ببساطة هنا حيث يدس لك الطرف الآخر «السم في العسل»، من هؤلاء؟ أنا أشعر بالغيرة.. لا أُحب التواجد مع أصدقائك أولئك. ويكتمل سيل من هذه الكلمات التي قد لا تبدو مزعجةً في باديء الأمر، لكن مع تكرار المواقف بأشكالٍ مختلفة يبدأ الأمر في الوضوح. الحقيقة أنني لا أريدك إلا صديقًا لي أو حبيبًا لي وحدي فقط، أن تنقطع عن العالم ما عداي أنا، أنا فقط!

لو لم تفلح هذه الحيلة معك فسيأتي دور الحيلة رقم ثلاثة وهي أكثرهم أذى حقيقةً، أنت سيئ وأنا أفضل منك. المواقف كثيرة وكلها بيّنت أن التقليل من الطرف الآخر لا يأتي مباشرًا هكذا في البداية، لكنه يكون كلامًا معسولًا من نوعية لماذا لا تفعل كذا؟ لما فعلته أنا كان سهلًا. تكرار الأمر مع زيادة رشة خفيفة من الضغط في كل مرة يجعل الوضع يتفاقم حتى يصل صراحةً إلى أنك طرفٌ سيئ، والطرف الآخر – المريض – هو الأفضل في كل شيء.

ثم ننتقل من هذه الحيلة الغبية إلى حيلةٍ أكثر غباءً، لا بد لأنني أفضل منك أنك تُسديني خدمات وتتصنع حبك لي حتى تأخذ مقابلًا ما ولذلك أنت في الحقيقة لا تحبني. تبدأ هذه الحيلة في جعلك تشعر بأن حبك ضعيف، وأنك رُبما – فقط رُبما – تكون سيئًا فعلًا، رُبما كذلك تكون أقل مما يستحقه الطرف الأخر فتبدأ في الضغط على نفسك حتى تتسنى لك فرصة الوصول للمستوى العظيم الذي قد وصله الطرف الآخر. هذه هي المرحلة التي تجعلك تنسلخ عن طبيعتك دون وعيٍّ منك، لأنك تريد الارتقاء – يبدو لك ذلك – ولا عيب في الارتقاء لمستوىً أفضل أبدًا، هذا ما تقوله لنفسك طبعًا. صراحةً إنه لأمرٌ مزرٍ.

وتأتي في المرتبة الأخيرة تلك الصفة الذميمة غير المفهومة أبدًا، سأختفي للأبد ثم أظهر مجددًا وقتما أشاء! هنا أنت متروكٌ حرفيًا للاحتمالات كلها، السيئ منها والأسوأ، هل أخطأت؟ هل أنا بذلك السوء الذي لا أستحق معه معرفة خطئي على الأقل؟ هل كل هؤلاء الذين من حولي يُجاملونني – فقط – بوجودهم حولي؟ هل أنا عبءٌ ثقيل إلى هذا الحد الذي يُحتم عليك – الطرف الآخر – الفكاك هاربًا بمجرد أن سنحت لك الفرصة؟

ويأتي الظهور مرةً ثانية وثالثة وعاشرة، لكن دون جدوى.. في الواقع لقد أفقدك كل هذا الاختفاء ثقتك بالحياة تمامًا، لم تفهم ماهية تلك الفترة التي لم يكن فيها الطرف الآخر حاضرًا ودون سبب واضح بالنسبةِ لك، إلا أنك بلا شك شخصٌ مكروه لا تُقبَل فيهرب منك الجيدون الذين وصلوا لمستوياتٍ أعلى منك بكثير، أيها الفاشل.

ثم نُضيف هنا بعض اللمسات السحرية التي تحدث عنها بعض أصدقائي. كل ما تُقدمه لي ليس إلا واجبًا عليك وهو من حقي الكامل لأنني أفضل منك – كما ذكرنا من قبل – وأستحقه بكل جدراة، ولسوف أُفاجئك أيضًا بالحديث عنك هنا وهناك بكل سيئ ليس فيك أبدًا لأنك تستحقه وهو واجبي تجاهك، أن يكرهك الناس بعد أن أحبوك ويُحبونني أنا لأنني الأجدر!

مهلًا هل وصلت هنا أخيرًا؟ يبدو أنك فاقدٌ للثقة ولا تُريد التقدم في حياتك وأنك بالفعل قد فشلت تمامًا، يبدو أنك جاهز للتحطم وأن تكون هشًا أمام الحياة، وأنك لن تعود لنشاطك مجددًا، ولن يُحبك أحد، أو يلتف حولك الكثيرين لأنك تُثير الكآبة والشفقة، ولا أحد سيُحبك بعد الآن، نعم إنك جاهز تمام الجاهزية، انطلق في مسيرك الكئيب الحزين وحيدًا لا يعبأ بك العالم الكبير.

تعالى معي إذًا لنفهم احتمالات انجذاب المرضى إليك من الأساس!

أتذكر في البداية لَمّا تحدثنا عن السبب الأول الذي حرك المريض ليُسبب لك الأذى أصلًا؟ تتذكر طبعًا، جيد.. إنها عقدة النقص وهي الصفة التي دفعته ليكره حب الناس لك والتفافهم حولك، عقدة النقص كذلك هي ما دفعته ليكره نشاطك وانفعالك وتداخلك بين المجتمع، أو بكلماتٍ أخرى عقدة النقص هي ما دفعت ذلك المريض ليكره نجاحك، نعم نجاحك.. لقد كنت ناجحًا تمامًا لك مُحبون كُثر ومتطلعون لقوتك وشخصيتك الاجتماعية الجميلة، لكنه كرهك لذلك لأنه لا يملكه غالبًا أو يملك منه أقل منك حتى.

بالطبع رُبما يكون قد انجذب إليك ذلك المريض؛ لأنه يتطلع إليك كآخرين، لكنه لما وجد نفسه يستصعب الوصول إلى ما أنت فيه قرر أن يُفسد عليك ما تعيشه بهناء؛ لأنه لا يقوى على الحصول عليه، لكنه يقوى على تدميرك والصبر على ذلك لشهورٍ طويلة ورُبما سنوات، هو يبرع في ذلك من دون شك!

رُبما يكون هناك أسبابًا أخرى وأكثر بكثير مما أسندت إليها ذلك الانجذاب المؤذي الذي لا يترك إلا أشخاصًا مُحطمة وهشة يحتاجون للعلاج النفسيّ قطعًا، لكن لعل هذه الأسباب هي أكثرها منطقية وأكثرها انتشارًا كذلك على ما يبدو. لعل الطب النفسيّ قد وجد تصنيفًا معينًا لأصحاب هذه الصفات، رُبما هم مُحبون لذواتهم أو لعلهم يحتاجون للمساعدة بدورهم، لكن الأهم من ذلك وذاك أنهم يستطيعون التسبب في الأذى بكل بساطة ودون اكتراث لمشاعر من أمامهم. أما أنا أو نحن فبعيدون عن الطب النفسيّ ولسنا بأطباء فيُمكن أن يكون هذا الكلام كله أحكامًا رُبما ورُبما ظالمة لفاعليها، لكننا بالتأكيد تضررنا منها.

ولكن دعنا كذلك نُلقي بعض اللوم عليك، ليس هناك عيب في أن تنفتح للناس وألا تُغلق أبوابك في وجههم، لكن هناك مشكلة في فتح أبوابك على مصراعيها لكل شخص قادم من دون أن تعرف القدر الكافي للسماح بذلك، لا بد أن يكون هناك حدود لمن تقبلهم داخل أبوابك والحقيقة أنك قد تقع في فخ عدم المعرفة نظرًا لقلة خبرتك في البداية وهذا ما وقع فيه أغلب من وقعوا في شباك المرضى هؤلاء بكل أسف.

لماذا دعوتهم بالمرضى؟

دعونا نتطرق للحديث بإيجاز عن الشخصية السيكوباتية التي قد تكون قريبةً بشكلٍ ما للشخصيةِ التي نصفها في المقال. وفقًا لموقع Psychology Today فإن هناك قائمة تُدعى «Hare Psychopathy Checklist» يُمكن من خلالها التعرف على الشخصيات السيكوباتية، وتتضمن هذه القائمة بعض الصفات التي لا تستلزم بالضرورة أن يكون صاحبها سيكوباتيًا، من ضمن هذه الصفات هي صفة الخداع أو التلاعب «Manipulation» والكذب المرضي «Pathological Lying» بالإضافة إلى عدم الشعور بالذنب «Lack of remorse or guilt»، وهى صفات قد وجدناها نحن من عايشنا الأذى في هؤلاء الذين أذونا.

ختامًا يُمكن لهذا المقال أن يُقدم خبرةً ما أو أن يُنبه أحدهم لشيءٍ مؤذ هو يمر به فينقذه دون أن يشعر، آملُ ذلك حقًا.. ورُبما يمسّ هذا المقال مشاعر من مروا بتجربةٍ مماثلة وقد يُعيد إليهم بعضًا من الذكرى، فإذا حدث ذلك أرجو منكم أن تُسامحونني وأود كذلك لو شاركتموني وأصدقائي بعض الصفات أو الأسباب التي قد فاتتني – بلا شك – حتى نُفيد من لم يمروا بتلك التجربة المؤذية رُبما لا تطولهم يومًا ما.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد