في ظل غياب الحكم الدستوري تاريخيًا لم يسكت صوت القرآن، ولم يكف الناس عن الصلاة والصوم والحج وإيتاء الزكاة ولم تغب شعائر الإسلام، لكن الإسلام نفسه، أصبح «أيديولوجية» مأسورة، وأُمِّم لصالح الدولة، وصارت شعائر الدين تعيش في لغة الناس، ليس في واقعهم، وهي محنة ثقافية قاسية؛ نتيجة الانحراف السياسي، علامتها ـ كما يقول الصادق النيهوم ـ أن يتورط المواطن في لغة بديلة من لغة الواقع، كما يبدو العكاز بديلًا من القمر.

‏العلة من مشروعية الصيام

كتب الله الصيام على المؤمنين في سبيل طبع الحياة بالتقوى، متحدًا مع سائر الشعائر كفًا عن شهوات الطعام، والزوجية، وشر الكلام وقتًا متطاولًا منذ الفجر إلى المغيب.

وتمتد عواقب الذكر فيه صلة بالقرآن، والكلم الطيب؛ إذ تتكثف فيه الصلاة بالتراويح، ويعمر تعهد المسجد والاعتكاف، وفي الصيام والجوع سواسية مع الفقراء، وهو دافع للصدقة، لاسيما زكاة الفطر، وفيه دافع لهجرة عمرة طوعية حجًا إلى متنزل القرآن الذي يقوم الصيام عيدًا لنزوله في رمضان.

لا شك أن رمضان فرصة لطائفتين من الناس

  • الأولى: طائفة تريد مزيدًا من الحسنات، لأنها من المحسنين المداومين على الطاعات الظاهرة والباطنة، الروحية والمدنية، فردية واجتماعية.
  • الطائفة الثانية: التي يحدث فيها صوم رمضان انقلابًا نفسيًا سلوكيًا ينقلها من حالة الظلمة إلى حالة النور.

يؤكد «د. عبد الله الحامد» فك الله أسره أن «الله علّل مشروعية الصوم، بالانقلاب النفسي الذي ينقل المرء من المعصية إلى التقوى، فبين أنه كتب الصوم: (لعلكم تتقون)، أي إنه تذكرة تعيها القلوب الواعية».

وأن ما ورد من نصوص في فضل رمضان، فإنما هو لمن استقر على التوبة فاستقام. إن هذا التفسير المعلل للصيام يعكس، وبجلاء، عمق الأزمة الموجودة في الوعي الإسلامي في المجتمعات، كما يؤكد على أن محرك العبادة لا يشتغل، إلا لمن أحسن الشغل والأداء.

ليست وظيفة رمضان أن ينقلك بلمحة بصر وسرعة خارقة من حال إلى حال، دون صبر ومصابرة ومثابرة على فعل الخير.

يقول «د. عبد الله الحامد» فك الله أسره :(فشرف الزمان والمكان، ليس المقصود به، ما يتصوره كثير من الناس، من أنه موسم توزيع جوائز، لطلاب لا يدرسون من السنة إلا شهرًا. فينجحون مصادفة، عندما تأتي أسئلة الامتحان من عشر الكتاب المقرر الذي درسوه أو أنه مهرجان تخفيض أسعار للسيارات والبضائع والملبوسات، لقوم لا يشترون إلا في موسم التخفيض، أو أن قبول التوبة والدعوة ليلة القدر، حظ كاليانصيب يهبط على من لم يعمل من قبل، ولن يعمل من بعد.

فعمل المسلم عبادة مستمرة، والصدقة – فضلاً عن الزكاة – وهي من العبادات المدنية، إذا أديت في غير رمضان لمن ألمت به حاجة ماسة في شهر ما، أفضل من الصدقة في رمضان، إذا كانت حاجة المحتاج في رمضان غير ماسة، والعبادة المدنية في مجال اجتماعي أو سياسي أو عمراني، إذا كانت من الضروريات، فريضة اجتماعية، أجرها في رمضان كأجرها في أي شهر آخر، وأجر المسلم على عمله متى كان خالصًا مصيبًا متحقق دون شك، لأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.

لماذا لم ينجح رمضان في حياتنا؟

هل غاية الصيام التقوى فقط في رمضان أم طوال العام؟

تساؤلات مشروعة وواقعية، كل عام نصوم ونقوم والحال هي هي إن لم تكن في تراجع، فما السر؟

يبين «د. عبد الله الحامد» فك الله أسره أن رمضان غايته:

1- لعلكم تتقون طوال العام

وهذا المفهوم نجده واضحًا في وظيفة الصوم، فوظيفته هي «لعلكم تتقون»، ويأتي في صلب التقوى عفة الجوارح كلها، عن الفواحش كافة، ولذلك قال الرسول الكريم «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة، في أن يدع طعامه وشرابه».

ولا ريب أن وظيفة الصوم – وهي غرس التقوى – إنما تكون باستمرار التقوى، طيلة العام، لا أن تكون تقوى خاصة برمضان، فإذا لم يشحن المسلم بالتقوى طيلة العام، فهنا خلل ينبغي تلمس علله وإدراك أسبابه.

وظيفة العبادة الروحية، أنها شاحنة للطاقة الإنسانية، فردية واجتماعية، فإذا لم تقم العبادة بذلك، فإنما هي عبادة رتيبة خاملة، أي قاصرة عن أداء وظيفتها الشرعية، وإنما قال الله «لعلكم تتّقون» لكي تتحوّل العبادة الموسمية، إلى مضخّ فعال مستمر طوال العام.

وعندما يقتصر الضخ على موسمها؛ فإنما ذلك دليل مبين؛ على أن العبادة لم تؤد هدفها، وأنها تحولت إلى عبادة موسمية باهتة، غير قادرة على اجتثاث العادات الوحشية والبهيمية والشيطانية المثبطة المفسدة، وهذا تحريف للدين، لا يسمى كفرًا ولا شركًا، ولا معصية ظاهرة، ولكنه إخلال فظيع، ومشكلة هذا الإخلال أنه خفي، يصعب على الخواص ـ أحيانًا ـ إدراكه، فضلًا عن العوام، والأشكل من ذلك أنه تفريغ لأركان الدين الروحية من وظيفتها.

2- في النموذج الأعلى للصائمين: الصوم ينهى عن الفحشاء المدنية

إن شهر الصوم محطة في حياة الأفراد والأمة، تعبأ فيه قوى الإيمان الفعال الروحية، لتصحح سلوك الأفراد والجماعات، وهو مدرسة لتجديد الإيمان والعمل الصالح، وشحن للمولّد كي ينتج الإرادة الخيرة، للتحلي بكريم الصفات، لاستئناف عمل أقوى وأفضل.

إذن فإن موسم رمضان، هو موسم امتحان، والنتائج تظهر بعد العيد، فالذي يقبل الله سعيه هو الذي ينجح، أي ينتقل من صف أدنى إلى صف أعلى، أي أنه يرى نتيجة السعي في عالم الشهادة، قبل عالم الغيب، فإن ترك المخطئ فاحشة روحية أو مدنية، وانتهى عن جريمة ظاهرة أو باطنة، كان يزاولها قبل رمضان، فهذا هو المقبول، فليسأل كل منا نفسه، ذكرًا أم أنثى، عالمًا أم متعلمًا، رئيسًا أم مرءوسًا. هل أقام صلاة كان عنها ساهيًا؟، هل آتى زكاة كان بها شحيحًا؟ هل ترك فاحشة سياسية كان لها أليفًا؟ هل ترك مسكرات كان بها مغرمًا؟ هل ترك الربا وأكل أموال الناس بالباطل؟ هل طبّق القانون المشروع؟ هل ترك دفع الرشوة أو أخذها؟ هل عدل وأنصف الآخرين؟ هل ترك الكبرياء والتعالي؟ هل ترك الحسد والغيبة والنميمة؟ هل ترك سرقة وقت العمل من أوله أو من آخره؟ أو من كمه أو من كيفه؟ هل ترك عمله الذي يضر بالمجتمع والأمة؟ هل ترك الظلم والبغي والفساد في الأرض؟ هل أدى دوره الأسري والاجتماعي؟ هل أمر بالمعروف ونهى عن المنكر؟ إن كان كذلك فقد نجح بامتياز، وهو جدير بمغفرة الله، لأنه أدرك هدف الصوم «لعلكم تتقون»,

هؤلاء هم الذين شحنوا بهذه الطاقة الإيمانية، هؤلاء هم الذين تربوا في رمضان، وتعلموا من الجوع والعطش، ما يقوي الإرادة الفعالة، للخير والنجاح، وهم الذين وجدوا في رمضان جوًا روحانيًا، يساعدهم على التخلص من المعاصي الروحية والمدنية ظاهرة وباطنة، فتابوا لله توبة نصوحًا، وعلامة توبتهم أنهم استأنفوا حياة مستقيمة لا عوج فيها، إن استمرار الناس على الطاعات، وتخلصهم من المعاصي برهان محسوس ملموس، على أنهم اجتازوا الامتحان، وأن الله قد حباهم بالقبول؛ لأن رمضان أحدث انقلابًا نفسيًا فيهم، فقوم سلوكهم الظاهر والباطن.

هؤلاء هم الذين يجدون في الصوم لذة العبادة، ويجدون في السحور بركة، وفي الإفطار راحة روحية، وهم الذين تفتح لهم أبواب الجنان، وتغلق دونهم أبواب النيران، وتتلقاهم الملائكة ليلة القدر بالبشرى والسلام، وتغفر ذنوبهم، وتكفّر سيئاتهم، ويتجلى نور الله في أفئدتهم. وهؤلاء هم الذين تبنى بسواعدهم أحجار التقدم ورفعة الأمة، ويحدون الأمّة إلى التفوق والرقي، لأنهم يدركون دور العبادة المحضة في شحن الهمم نحو العبادات المدنية. إنهم عرفوا هدف الصوم، «لعلكم تتقون»، فأدركوه!

3- في النماذج الدنيا: الصوم يغفر الفواحش المدنية

ذاك هو نموذج السلوك الأعلى في الإسلام، الذين يدركون أن العبادة الروحية تنهى عن الفواحش المدنية، وتكبح جماح الهوى، وليست وظيفتها محو الخطايا الاجتماعية والسياسية؛ لأن غفران الفواحش له شروط معروفة (ذكرها الفقهاء كالنووي في رياض الصالحين).

صاحب السلوك الأدنى: مصطلح عرفه د. عبد الله الحامد فك الله أسره بأنه المسلم الذي لم يدرك مقاصد الشريعة إدراكًا عمليًا، ولم يع «لعلكم تتقون» فقد سهر صاحبه مع الطلاب، وتجشّم قاعات الامتحان، ولكنه سُجِّل في صحيفة الراسبين، لأنه تصوّر رمضان على غير حقيقته.

لأنه تعامل مع رمضان على أنه يغفر كل الذنوب السابقة:

يغفر للظالم استهتاره بحقوق الناس.

يغفر للحجاج انتهاكه كرامة الأمة.

يغفر الغش والخديعة.

يغفر النميمة والغيبة والوقيعة في أعراض الناس.

يغفر للشيطان الناطق بالمنكر نعاقه.

يغفر للشيطان الأخرس سكوته عن الحق.

يغفر للمدير والموظف المفرط واللاعب تقصيره في واجباته.

يغفر للمرتشي ما أكل من مال حرام.

يغفر للزاني تفريطه بالشرف والعفة.
يغفر للمرابي امتصاصه دماء الفقراء.

يغفر لشارب الخمرة تفريطه بعقله.

يغفر للمقموع تنازله عن كرامته.

نصوم

مادام قد صام رمضان، وأمعن في تلاوة للقرآن، وأكثر من صلاة تراويح وقيام الليل، إنه يتصور أن الديون الإدارية والاجتماعية، قد صدر عفو عنها في رمضان، وها هو يعود كيوم ولدته أمهن، ولعله يتوهم أنه صادف ليلة القدر، فأسقط الله عنه كل ذنوبه، فلا بأس عليه – وقد صفى الدين القديم من الانطلاق بعد العيد، في الملذات والمحرمات، واستئناف الفساد والإفساد، وإهمال للواجبات الروحية والمدنية، فردية واجتماعية.

انخداع بالأماني الكاذبة، وشعور مُرْض بالاطمئنان إلى سلامة العمل.

وكأن رمضان مهرجان لتخفيض الأسعار، تكون فيه الجوائز للمتسابقين، ثم ينفض مسرح الاحتفال، وقد قبض كل مشترك جائزته، واشترى كل محتاج حاجته، فما عليه بعد ذلك، لو استرخى وعصى وطغى، وما عليه لو لم يشتر بعد ذلك شيئًا، فقد جمع زادًا يكفيه مؤونة جهد عام كامل!

هذا الإنسان ينظر إلى رمضان على أنه يخلصه من الديون القديمة، ليستأنف بعد العيد ديونًا أخرى، من الفواحش الجلية والخفية، وكأنه المعسر الأخرق، الذي كلما سدد المتصدقون دينه في رمضان، عاد مرة أخرى إلى الإسراف على نفسه واستدان، متّكلًا على كرم المعطين في رمضان.

هذا النمط من المسلمين يفهم المواسم الدينية فهمًا غير شرعي، يمليه عليه الهوى والجهل معًا، وهذا النمط من السلوك من أسباب انحطاط المسلمين المدني، وهو أسوأ النماذج المسلمة:

سـارت مغربة وسـرت مشرقًا شتـان بيـن مشـرق ومغـرب

فكيف يمكن إذن تفسير قيامه بالنوافل، وانتهائه حتى عن المكروهات وهو صائم مجهد، أثناء رمضان وإخلاله بالواجبات، وانتهاكه المحظورات المحرمات وهو مفطر نشيط. المسألة في حقيقتها تجسيد للشخصية الإسفنجية الزئبقية المتذبذبة التي يكون فيها الإنسان مزدوج الشخصية، وهو يدري أو لايدري.

إن ثمة غفلة نفسية عن وظيفة الصوم«لعلكم تتقون»، أي أن يحقق العبادة الانقلاب النفسي والسلوكي، أن يكون الجوع من مقويات الإرادة، كأية مشقة يمر بها الإنسان، عندها يعاني ويجالد ويصبر ويصابر، ويتجلد ويجالد، ويصارع هواه وشيطانه، فيحبو ويتعثر ويكبو، ثم يخطو حتى يفلح وينجح، وهذا نمط حري بالوصول إلى الهدف، لأن أول علامات الانقلاب النفسي شعور العاصي بانكساره، وإحساسه بِذُلّه وهوانه، وهذا النمط إذا جدد العزيمة مرة أخرى، أوشك أن يفلح، فإن لم يفلح اليوم أوشك أن يفلح غدًا، ويجتاز شاطئ الأعراف، إلى سفينة الخلاص، ويوم العيد هو العلامة الفارقة بين من تاب وأناب، ومن تمنى على الله الأماني.

يتبع .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد