هل سبق وأن كذبت حتى كذبة صغيرة، هل تجعل التكنولوجيا الكذب أسهل علينا أم أن شيئًا لم يتغير قط وأن الغش ليس سوى جزء أزلي من طبيعة البشر؟ هل يمكن للمجتمع العمل في عالم خال من الكذب والأسرار. قد يكون الكذب واسع الانتشار لأنه من السهل جدًا خداعنا وذكرياتنا عرضة للخطأ؟ هل يمكننا رؤية الطبيعة الحقيقية للواقع؟ أم أن الحقيقة ليست سوى كذبة؟

جميعنا متفقون أن الكذب مشين. ومع هذا ما زلنا نتحايل على بعضنا البعض بتعمد طوال الوقت. ربما نحن نكذب لأننا لا نستطيع التوقف عنه وحسب. متى كذبت لأول مرة؟ ربما كان ذلك مباشرة بعد أن تم الكذب عليك. هل سيبقى الأطفال صادقين أنقياء إذا لم نفسدهم نحن البالغين بأكاذيبنا؟

إن (كنج لي) عالم نفس تنموي في جامعة تورنتو. لقد أجرى تجربة هو وزملاؤه مع آلاف الأطفال من مختلف الأعمار. تبدأ التجربة كلعبة حيث يخمن الأطفال الحيوان من الصوت الذي يسمعونه فقط من دون النظر إليه بينما يمسك البالغون الحيوان الصحيح. يوعد الأطفال بجائرة إذا استطاعوا تخمين الحيوان الثالث بشكل صحيح.

يغادر البالغون الغرفة بحيث لا يعرف الأطفال صوت الحيوان الثالث ولكن قبل أن يغادر البالغون تركوا الحيوان على الطاولة. أظهرت كاميرات المراقبة أن الإغراء كان كبيرًا جدًا لكثير من الأطفال. إذا تمكنوا من معرفة الحيوان دون سماعه أبدًا، يعلم من يجري التجربة أن هؤلاء الأطفال يكذبون.

اعتاد الباحثون الاعتقاد أن الأطفال يبدؤون بالكذب عند عمر الخامسة تقريبًا بعد احتكاكهم الكبير بعالم البالغين. إلا أن كنج أظهر أن الكذب يبدأ في وقت مبكر أكثر. يقول كنج «في الواقع إن الأطفال يبدؤون بالكذب عند عمر الثانية. عند سن السنتين سيكذب 30% من الأطفال تقريبًا،وعند سن الثالثة سيكذب حوالي 50% من الأطفال، وعند سن السابعة والثامنة سيكذب 100% من الأطفال».

حسنا دعونا ننظر إلى الجانب المشرق في الكذب المبكر. هؤلاء الأطفال الذين يكذبون قبل الأطفال الآخرين في الواقع هم الأطفال الذين يمتلكون قدرات تطور معرفي أكثر. لذا يبدون أكثر تقدمًا من أولئك الأطفال الذين يخبرون الحقيقة. تتطلب الكذبة الجدية روية ورباطة جأش. يتوجب عليك أن تكون قادرًا على التخطيط مسبقًا فيما ستقوله وكيف ستقوله. بكلمات أخرى إن البدء في الكذب يعد مرحلة مهمة في تطوير الدماغ. ولكن لماذا نبدأ بالكذب حالما تصبح أدمغتنا قادرة عليه؟ ألن يكون من الأفضل دائمًا أن نقول الحقيقة. فالسبب الذي يجعلنا نقول كذبات بيضاء هو أننا لا نريد أن نجرح مشاعر الآخرين. كذبة بيضاء صغيرة لا تؤذي أي أحد. إلا أن بعض الناس لا يستطيعون التوقف عن لي الحقيقة من دون اكتراث لمدى ضرر العواقب على أنفسهم والآخرين. الكذب بالنسبة لهم مرض. ما الذي يميز مرضى الكذب عن بقيتنا؟

بدأ تشارلز بونزي الكذب على عملاء استثماره في بداية القرن العشرين ولم يستطيع التوقف حتى بعد إرساله ثلاث مرات إلى السجن بتهمة التحايل. وصحفي القرن الثامن عشر دانيال ديفو لفق العديد من الوقائع كما ذكر وقضى وقتًا في التشهير به. ما الذي يدفع بعض الكذابين لأن يصلوا إلى مستويات مرضية من التدليس.

 ذلك ما تريد أن تكتشفه يالنج يانج وهي عالمة نفس في مستشفى أطفال لوس أنجلوس. تساءلت يالنج وزملاؤها إذا كان هناك اختلافات فيزيائية بين أدمغة مرضى الكذب وبين أدمغة البشر العاديين.

يخزن الدماغ ذكرياتنا ومعرفتنا في خلايا المادة الرمادية إلا أن نوعًا آخر من العصبونات وهي خلايا المادة البيضاء تصنع توصيلات بين كل تلك المعلومات. متى ما أخبرنا بقصة سواء كانت صحيحة أم لا. علينا تجميع تفاصيل من خلايا المادة الرمادية في أجزاء مختلفة من الدماغ. الأمر كالملمة معلومات من سلسلة كتب والكتب هي المادة الرمادية وهي مليئة بالمعرفة التي تحتاج مواءمتها في سرد مقنع. الممرات المؤدية من كتاب إلى آخر هي المادة البيضاء. تخيل الذهاب إلى محل كتب للحصول على عشرة كتب مختلفة متناثرة في مساحات مختلفة من المكتبة. فإن امتلاك سبل عديدة تقودك إلى الكتب سيساعدك على الوصول إلى الكتب بسهولة وسرعة أكبر، يعمل الدماغ البشري بنسق مشابه تمامًا. عندما يكون لديك توصيلات أكثر بين مختلف أجزاء الدماغ فإن ذلك سيسهل عليك استرجاع معلومات معينة. لنقل على سبيل المثال إن صديقًا سأل يالنج عما تناولته في عشاء الأمس. لتخبر الحقيقة ليس عليها إلا جمع قطع معلومات قليلة. لكن الكذب أصعب لأنه سيتوجب عليها تجاهل الحقيقة وتلفيق قصة وإن ترددت عند أي نقطة فإن كذبتها ستكشف، إذًا هي ستحتاج إلى طرق جديدة في دماغها بحيث تستطيع الركض من موضوع لآخر. ولأن الكذب يتطلب جمع معلومات أكثر من قول الحقيقة، افترضت يالنج وزملاؤها بأن أدمغة المرضى ربما تمتلك ممرات أكثر من المادة البيضاء. وقد أثبت مسح الدماغ أنهم محقون. لدى مرضى الكذب ارتفاع في المادة البيضاء بنسبة 25% مقارنة بالأفراد الأصحاء ولقد اكتشفت أيضًا أن مرضى الكذب يملكون نقصًا بحوالي 14% من المادة الرمادية مقارنة بالناس العاديين. بجانب أن المادة الرمادية تخزن ذكرياتنا فهي تملك وظيفة أخرى أيضًا. إنها تتحكم باندفاعاتنا المتهورة. يمكن لمرضى الكذب أن يهدموا حياتهم بسهولة وكذلك حياة الآخرين.

هل الحقيقة التامة ولا شيء غير الحقيقة ما سيقربنا من بعضنا البعض أم أنها ما سيمزقنا؟ طبقًا لهذا العالم المعرفي فإن معرفة الحقيقة الفعلية عن العالم المحيط بينا سيصيبنا ببساطة بالجنون ما نعتقد أنه حقيقة ليس إلا سلسلة من الأوهام. لمَ هي أدمغتنا وحواسنا سهلة الانخداع هكذا؟ إننا نعتمد على حواسنا لإدراك عالمنا ولهذا السبب يصبح الأمر مربكًا عندما يخذلنا، لا يمكننا الثقة بقدرتنا على رؤية الحقيقة وحتى إن استطعنا هل يمكننا التعامل معها؟

العالم المعرفي (دون هوفمان) من جامعة كاليفورنيا إرفاين، يعتقد أن أي شخص يؤمن بأن حواسنا صممت لإظهار الحقيقة لنا قد أخفق في فهم الحقيقة وهو يستمتع في إثبات فكرته باكتشاف طرق جديدة لخداع الناس. كل عين من أعيننا يمكنها التقاط صورة ثنائية الأبعاد فقط ودماغنا هو من يقوم بخلق المنظر ثلاثي الأبعاد للعالم.

استنتج (دون) المتطرف أن حواسنا غير معدة لرؤية حقيقة الواقع، وأن حواسنا كافية فقط في العثور على القرناء والعثور على الطعام وتجنب أن نصبح طعامًا لشخص آخر.

يطور كل مخلوق على الأرض الحواس التي يحتاجها للنجاة والتكاثر فقط.

فعلى سبيل المثال؛ إذا كانت الأشياء لا تتحرك فإن الضفدع يكون عاجزًا عن رؤيتها أو أنه مبرمج على تجاهلهم. ومن حسن حظ الضفدع أنه ماهر جدًا في رصد الأجسام الصغيرة المتحركة قريبًا كفاية من لسانه لكي تصبح وجبة شهية. ونحن البشر يمكننا رؤية الأشياء الثابتة التي لا يراها الضفدع، لكننا لا نرى جميع الألوان التي تراها الفراشة كما أننا لا نستطيع رؤية كل تردد صوت يستطيع الخفاش سماعه، مما يستحضر السؤال كيف يبدو العالم حقًا؟ ما الذي لا نراه؟ تخيل لونًا لم يسبق لك وأن رأيته، لا يحدث شيء، إذا لم يكن بإمكاننا عمل ذلك على لون واحد فقط لم نختبره قبلًا فإننا فعلًا في الظلام بشأن ما قد يكون عليه التعقيد الكامل للحقيقة المجردة. لذا فإن حواسنا هي النافذة الرائعة على العالم إلا أنها سجن أيضًا لا يمكننا الرؤية خارجه فعلًا.

لا يمكننا بأي حال تذكر كل شيء يحدث لنا إلا أننا نثق بالذكريات التي نسترجعها. لكن ماذا إذا كان بعض هذه الذكريات غير حقيقي؟ ماذا لو كان نحن من اختراعها؟ أو أن شخصًا آخر زرع فينا هذه الذكريات؟

يسعى العالم سوسومو الحائز على جائزة نوبل في الطب للإجابة على هذا السؤال. وهو هل يمكن خلق ذكرى جديدة خاطئة؟

في الدماغ المنطقة المسماة بالحصين تلعب دورًا حيويًا في هذا النوع من الذاكرة، إذا كنت تعاني من أضرار في الحصين فعندها تعجز عن تكوين ذكرى لحدث بشكل جيد.

يركز بحث سوسومو على التغيرات المادية في الحصين عندما تتكون ذاكرة عرضية.

عندما نمر بتجربة كمشاهدة حدث سيارة فإنها تُغير مجموعة صغيرة من العصبونات في الحصين وينشئ ذاكرة مادية مخزونة. وتلك الذاكرة تستثار عندما نرى شيئًا جديدًا ولكنه مشابه. اكتشف سوسومو أنه عندما تُفعل ذكريات قديمة بواسطة تجارب جديدة فقد يحدث تداخل فيما بينهما.

هل من الممكن خلق ذكريات خاطئة بشكل متعمد؟

الإجابة نعم فلقد فعلها بالفعل سوسومو مع زملائه على الفئران.

هل سنستمر بإزالة طبقة تلو الأخرى لحقائق جديدة للأبد؟ وهل سنتمكن حتى من استيعاب الحقيقة بحواسنا القاصرة وذاكراتنا الانتقالية القاصرة؟ هناك شيء واحد يمكننا أن نكون متأكدين منه، اي شخص يدعى معرفة الحقيقة المطلقة فعلى الأرجح أن يخبرك كذبة أخرى فقط…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد