يجد الكثيرون متعة من نوع خاص في الاستماع للحن الحزين (Sad Melody)، الأمر الذي أثار تساؤل الباحثين في علم النفس والفلسفة حول سبب ذلك، فالطابع التراجيدي لهذا النوع من الموسيقى يجعلنا نفترض أنها ستخاطب فينا مشاعر وانفعالات شبيهة بها، أي أنها ستثير شعورًا بالحزن، وهو ليس شعورًا مرغوبًا لنا، لكن الواقع أن اللحن الحزين يثير في المستمع أيضًا شعورًا عميقًا بالمتعة، وهو ما دفع الباحثين لوصفه بالحزن الماتع (Pleasurable Sadness).

هناك العديد من الفرضيات التي حاولت تفسير هذه الظاهرة، آثرت أن أضعها بين أيديكم كما هي، دون ترجيح لإحداها على الأخرى، إثراءً للفكر والتأمل حول هذه القضية.

لقد اعتقد الفيلسوف اليوناني أرسطو طاليس أن المشاهد التراجيدية في الفن تؤدي وظيفة نفسية عميقة؛ إذ تقوم بترميم الذات وتجديدها. ذلك أن التراجيديا تثير في النفس مشاعر الخوف إلى جانب مشاعر الشفقة والتعاطف، وتتكفل هذه الإثارة بمهمة نفسية عميقة تتمثل في التنفيس (Catharsis) عن المشاعر السلبية في ذواتنا، وكذلك إثارة الانفعالات النبيلة المتمثلة بالرحمة والتعاطف.

من هنا كانت الفرضية القائلة أن الموسيقى الحزينة تؤدي دورًا مشابهًا، إذ تثير فينا مشاعر الأسى إلى جنب مشاعر الرحمة والتعاطف، وهو أمر ممتع بحد ذاته، إذ يتكفل بمهمة التطهير وإثارة المعاني النبيلة.

الشعور بالتأثر أو «Feeling of being moved»

إلا أن ثمة فرضية أخرى هنا، تقدم نفسها فرضية تفسيرية أوسع وأشمل، تخبرنا بأن تحريك المشاعر والانفعالات هو بحد ذاته أمر يحمل اللذة والمتعة للإنسان، سواءً كانت هذه المشاعر أسى وحزن أو كانت ألم أو فرح ودهشة أو إيثار وتعاطف ورحمة.

لقد جذب هذا النوع من المشاعر اهتمام علماء النفس في السنوات الأخيرة لدراسته بصورة منهجية أكثر، وأطلقوا عليه (Feeling of being moved) أي الحركة المشاعرية أو الانفعالية في الذات، أيّا كان لونها. ولا ننسى هنا أن بعض الفلاسفة والمفكرين قد لفت الانتباه إلى هذه الفكرة، فقد أشار الفيلسوف الإنجليزي ديفيد هيوم في القرن الثامن عشر إلى هذا المعنى في تحليله لتأثير الأعمال الفنية ثم أوجز بقوله: «إن القلب يرغب بطبيعته أن يتحرّك ويتأثر».

نظرية الظل الناقص

قبل نحو ست سنوات، نشر كولن كلاين، أستاذ الفلسفة في جامعة أستراليا الوطنية، بحثًا يطرح فيه فرضيته حول تفسير الألم الماتع بصورة عامة. وأطلق كلاين على نظريته «نظرية الظل الناقص The Penumbral Theory»، ويقصد بذلك أننا في اقترابنا من الألم نقف في منطقة رمادية، أي نقترب من الألم ولكن لا نقع فيه بصورة شديدة، ويمثل الاقتراب من حدود الألم تجربة ممتعة للإنسان.

ويضرب كلاين أمثلة لذلك بأكل الفلفل الحار وحمام الماء الساخن والتدريبات الرياضية الشديدة. ومن هنا كانت الفرضية القائلة أن الموسيقى الحزينة هي أيضًا تقربنا من عتبة الألم والأسى دون الوقوع فيه في حقيقة الأمر، وبذلك فإننا نعايش حالة من اختبار مشاعر تحمّلنا للألم، وهو أمر ممتع بحد ذاته.

إدارة الانفعالات

يعبر الكثيرون عن شعورهم بالمواساة (Consolation) عند سماعهم اللحن الحزين، أي كما لو أن أحدهم يربت على كتفك لشعوره بما تشعر به، ويخبرك أيضًا أن ثمة حزنًا في مكان آخر في العالم أيضًا، فلست وحدك!

وهنا تكون الموسيقى الحزينة بمثابة صديق يعبّر عن دعمه لك، كما يعبر آخرون عن شعورهم بأن اللحن الحزين يجعلهم أقدر على تفهم مشاعرهم السلبية وإعادة تأطيرها والتعامل معها، من هنا كانت الفرضية القائلة أن اللحن الحزين يسهم في ما يسمى عملية «تنظيم الانفعالات Emotion Regulation».

ماذا بعد؟

من ناحية أخرى، فإن ثمة ميلًا واضحًا للمشخصين بالاكتئاب إلى الاستماع للحن الحزين أيضًا، كما تشير إلى ذلك عدة دراسات. أما تفسير ذلك فلا يزال محل بحث ونظر.

وبصورة عامة، لا يمكننا الجزم بفرضية واحدة دون أدلة بحثية كافية، ويحتمل أن يكون للظاهرة أكثر من تفسير بحسب الفرد نفسه، كما هو حال الكثير من الظواهر النفسية، فثمة فرضيات أخرى حاولت تفسير الأمر من منظور عصبي هرموني، إلا أنها لم تحظ بدلائل علمية واضحة.

يقودنا التساؤل حول اللحن الحزين إلى تساؤل أوسع حول الفن التراجيدي بصورة عامة، سواءً كان فيلمًا سينمائيًا أو موسيقى أو نصوصًا روائية، ونحن نلاحظ انجذاب جماهير الناس إليه بصورة متزايدة.

ففي حين يسعى الإنسان إلى تقليل الحزن والمشاعر السلبية في واقع حياته، إلا إنه قد يسعى إليه ويطلبه حين يكون فنًا، وتلك هي «مفارقة التراجيديا paradox of tragedy»!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد