لم نعيش؟ أو بالأصح ما الفائدة من الحياة؟ تخيل معي عزيزي القارئ أنك تستيقظ كل ليلة من نوم، تعمل في مصنع ينتج ملابس مصيرها الخراب في النهاية، تسعى لتأكل وستجوع في النهاية، حياتك عبارة عن سعي فارغ وراء سعادات لحظية بلا قيمة، هل كل هذا المجهود بالأيام وبالسنين يستحق لحظة النجاح التي صنعتها في أحلام يقظتك؟ تلك اللحظة الفانية في كون فانٍ معدوم القيمة، لست أقول هذا وأنا أزعم أنه شيء جديد على العقل البشري، بل على العكس، أنا فقط استحضر ما جال في بالك منذ يومين فقط، أو يمكن أنه جال قبل ساعات، لم قد يرغب كائن في أن يستمر في هذا الكبد؟

لا تقل لي بسبب الدين، قد يكون الدين حافزًا لتكملة الحياة بسعادة أكبر فقط، لكنه لن يمنعك من أن تقفز من شرفة منزلك الآن، حتى لو أنك تزعم أنك لا تنتحر خوفًا من الله، فهذه فقط مجرد حجة تدفع فيها رغبتك في الحياة غير المبررة، حتى إن كنت متدينًا فإجابة «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» لا تخصك كمسلم على سبيل المثال، بل تخص رغبة الله في خلقك.

لا تقل لي للنجاح مثلًا، فكلانا يعلم كم أن النجاح شيء ساذج فانٍ تنتهي قيمته بعد فترة، ولا تقل الحب، فهذا أسخف!

لا تقل أنك أفلاطوني تريد المعرفة في الحياة، فعقلك سيصيبه الخرف وستنسى كل ما عرفته، ولذة المعرفة ما هي إلا غرور بشري ومحاولة للتباهي والإحساس بالقيمة الذاتية.

لا تقل لي لأنك اقتنعت بهراء سارتر الشاعري عن العالم الذي يكمن بداخل الكائن البشري؛ فبدأت تعمل من أجل الإنسانية، فأنت تعلم، كل ما تفعله ليس إلا لنفسك في الواقع، كل هذا لإرضاء الغرور الحيواني فيك، لتشعر أنك شخص أفضل.

لا تقل لي أنك تريد الإنسان الأعلى لنيتشه، هذه حماقة، ما فائدة الإنسان الأعلى من الأساس؟ كل تلك تفسيرات عاطفية معدومة القيمة، لأناس فقط وجدوا بداخلهم الرغبة في الحياة، فصنعوا مبررات لها.

يقول البروفيسير Mark Edmundson:

اسألهم عن سبب رغبتهم في المحاولة والعيش إلى الأبد، وسيرددون: «حتى أستطيع إنهاء العمل، حتى أتمكن من تحقيق الاكتشاف، حتى أتمكن من إيجاد الحب الدائم». وهذه علامة على أوقاتنا الجائعة، لا يمكن لأحد أن يؤمن بالمثل بعد الآن تقريبًا. السعي وراء الكمال الفني؟ سخيف. بحث عن المعرفة الحقيقية والمطلقة؟ مزحة. تفاني الحياة للتعاطف والمحبة؟ أنت تمزح، ولكن بالنسبة لي، للأسف، والذي لا لبس فيه، هو أنني أريد أن أعيش ببساطة لأعيش. مع اختفاء المثل العليا، أصبحت الحياة، والحياة البسيطة، هي الهدف العظيم.

كل تلك أجوبة سخيفة – من نظري – لسؤال غير موضح بعض الشيء، فما معنى الفائدة من الأساس؟

الفائدة

الفائدة في الاقتصاد – كما هو معروف – تعني التعويض الذي يدفعه المدين إلى الدائن لكي يستدين منه على المدار الزمني، إذا أوصلنا معنى الفائدة للمعنى الكلي، فالفائدة هي ما التعويض عن فعل ما قام به الشخص وقت استهلكه تعويضًا يرضيه، مثلًا، ما الفائدة من الأكل؟ إنه وقود لنبقى أحياء، ما فائدة النوم؟ إنه استراحة لكي نستطيع أن نعمل لنلقى طعامًا لنبقى أحياء، ما فائدة الشرب؟ إنه ضروري في العمليات الحيوية في الكائن الحي ليبقى حيًّا.

هل لاحظت شيئًا؟ إذا استمررت في تحليل أسباب كل فعل يقوم به الإنسان ستصل إلى أن السبب الأول هو أنه يحاول أن يبقى حيًّا، وحالما يدرك أن بقاءه أصبح مضمونًا يلجأ إلى كيفية جعل بقائه هذا ممتعًا له ويحتوي على السعادة، إذا لو أمكننا تحليل معنى الفائدة في النهاية، فالفائدة هي ما يضمن بقاء الشخص على الأرض، ما يضمن بقاءه حيًّا بالدرجة الأولى، وسعيدًا بالدرجة الثانية.

هلا طرحت السؤال مجددًا الآن بشكل مفصل أكثر؟!

«ما الذي يضمن حياة الإنسان من الحياة؟!»، كما ترى، لا يوجد ما هو أغبى من أن تسأل سؤالًا كهذا، هناك رغبة داخل كل إنسان للحياة، رغبة تدفعه لكي يجنيها بأي ثمن مثل أي حيوان آخر، لكن ما سبب هذه الرغبة؟ هنا يمكن أن تسأل، لم يريد الإنسان أن يعيش؟

في الوسط العلمي حاليًا تتراوح الإجابات بين السعادة التي يسعى إليها العقل اللاواعي، والتي مهما أقنعت العقل الواعي بعدم أهميتها وفنائها سيبقى العقل اللاواعي على موقفه، كما هو على موقفه من الجنس على الرغم من عدم أهميته، وكما هو على موقفه من وجود معبود ما. وبين الموت الذي يقلق منه لنفس السبب، لكن في كلا الجانبين ستلقى مني التشجيع، قاوم عقلك اللاواعي وفكر، هل تريد أن تعيش مثل هذه الحياة فعلا؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد