لعب مئاتٌ كرة القدم في مصر أمام ملايين المشاهدين في الساحات الرياضية وعلى الشاشات لكن لم يحظ بالألقاب الأسطورية والتفاعل الجماهيري سوى القليل، وكان آخر عنقود هؤلاء القائد حسام غالي لاعب النادي الأهلي المصري.

حسام غالي حالة مثيرة للجدل إذ لن تجد متابعًا للكرة يتخذ منه موقفًا وسطًا؛ فهو إّما محبوب بجنون أو مكروه بجنون أيضًا؛ وربما السبب الرئيس وراء هذه الظاهرة الانتماء الخالص لنادٍ رياضي واحد –النادي الأهلي المصري – فاللاعب لم يلعب في صفوف أيّ فريق محليّ آخر طوال مسيرته المهنية التي تجاوزت 18 عامًا.

المشجعون للنادي الأهلي يرون فيه نموذجًا للولاء والإخلاص يستحق التقدير والتكريم، وغير المنتمين يعتبرونه رمزًا للنادي الأحمر فيفرغون فيه شحنات غضبهم عند الاختلاف أو الهزيمة أو في معرض المنابذة الرياضية.

لماذا نحب حسام غالي؟

أجيال من متابعي كرة القدم في مصر شعروا بالحزن الشديد عندما قرر اللاعب الاعتزال، ورغم أنّ عطاءه الكروي لم يكن غزيرًا في الأشهر القليلة السابقة إذ خرج في رحلة احتراف خليجية لم تكتمل ثم عاد ليشارك بديًلا في أغلب اللقاءات؛ فإن الجمهور قد أدرك أنّ الاعتزال يعني أكثر من مجرد خسارة لاعب خبير.

لقد حزنت جماهير الكرة عند إعلان غالي اعتزاله لما يمثله اللاعب من مجموعة قيم عامة وسمات شخصية ندرت في هذا المجال والزمن ومنها:

 القيادة

من أهم أسباب حبّ الجماهير لحسام غالي قدرته على القيادة الفنية والسلوكية داخل الميدان؛ فعندما تراقب توجيهاته لزملائه اللاعبين تعرف أنك أمام عقلية كروية فذّة في قراءة الملعب، واكتشاف الأخطاء، وسرعة علاجها، فضلًا عن قدرته على ضبط السلوكيات الانفعالية عندما يتعرض الفريق للضغط أو الهزيمة بما يضمن استمرار الأداء بالشكل الأفضل.

روح القميص الأحمر

للنادي الأهلي المصري الذي لعب له غالي أدبيات ذائعة من أهمها (روح الفانلة الحمراء) والمقصود بها القتال على أرض الملعب حتى الدقيقة الأخيرة، وعدم الاستسلام للانهزام، أو التفريط في الفوز.

وقد تمثل هذا الشعار خير تمثيل في اللاعب الذي له لقطات مشهورة يصارع فيها من أجل الاستحواذ على كرة ميؤوس منها أو منع خصم من التقدم أو منح مهاجمه الفرصة للتهديف.

أحببنا غالي لأنّه عندما يلعب بهذه الروح وهو قائد الفريق وأكبر لاعبيه فإنه يفجر الحماسة عند بقية اللاعبين ويورث هذه المفاهيم لدى الأجيال الناشئة.

الموهبة

لم نحب حسام غالي لقيادته وحماسته وحسب لكننا أحببناه لأنه لاعب موهوب، ربما هو الأفضل في مركزه في الكرة المصرية الآن.

والموهبة عنصر أساسي للاعب كرة القدم تجعله اشبه بالفنان الذي يرسم لوحاته بين أقدام المنافسين، وقد كان لغالي لمساته ومراوغاته وأهدافه التي شهدت له بذلك.

الاحترافية

في لقاء تلفزيوني جمع حسام غالي ورفيقه في الملعب عماد متعب سئل عن حياته الخاصة بعد التدريبات والمباريات فأجاب أنّه من اللاعبين الذين يفضلون البقاء في المنزل، فهو لا يهوى السهر أو الانخراط في سلوكيات عير أخلاقية، وفي مؤتمر إعلان اعتزاله صرح بأنه كان يتدرب في أيّام الراحة حتى يحافظ على مستواه البدني.

هذه قيم الاحتراف التي جعلت اللاعب يستمر عطاؤه طوال هذه الفترة، والتي يفتقدها لاعبون آخرون مما يجعل حياتهم في الملاعب قصيرة.

الانتماء

رغبة الإنسان في الانتماء رغبة أصيلة وسواء كنت تنتمي إلى أسرة أو عائلة أو قبيلة أو حزب سياسي أو فريق رياضي؛ فأنت تمارس سلوكًا إنسانيًا فطريًا ينعكس في تقديرك لكل من يعلي من شأن هذه القيمة.

مثّل لنا حسام غالي صورة نقية للانتماء للمجموع؛ فلم يغلّب الفردية ولم يساوم على بقائه أو رحيله من الفريق مقابل المال كما فعل البعض فانهارت أسهم محبتهم في بورصة النجوم.

إحياء اللاعب لفضيلة الانتماء المجرد في وسط كالوسط الرياضي الذي يوقع فيه لاعبون لأكثر من ناد مختلف في نفس الوقت لهثًا خلف الملايين ترتب عليه حبّ جمهور النادي الأهلي في المقام الأول، وتقدير شرائح عريضة من جماهير الأندية الأخرى التي صدمت في لاعبيها.

 التواضع

في جميع ظهوره الإعلامي الذي صادفني بدا غالي متواضعًا وكأنّه مشجع من الثالثة شمال وليس قائد الفريق الحاصد للبطولات في مصر. لم يظهر غالي تعاليًا ولم ينسب لنفسه فضلًا، ولم يمنح نفسه الألقاب كما يفعل من هم أقل منه تاريخًا وموهبة.

ولعلّ اللقطات المكررة لإيثار عماد متعب بحمل كأس هذه البطولة أو تلك وتمنع الأخير يوضح بجلاء فضيلة إنكار الذات والترفع عن هذه المظاهر التي صاحبت اللاعب.

بالتأكيد حسام غالي ليس ملاكًا بلا أخطاء، ولكنّه على مستوى الشخصية الكروية يكاد أن يكون استثنائيًا بجملة مواصفات قلّما تجتمع لأحد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد