قبل أن يجمع سلف الأمة على صحة كتاب البخارى رحمه الله؛ فقد تناوله العلماء على مدار التاريخ الاسلامى بالشرح والنقد والاختصار والتحليل ونقد الأسانيد، بل نقد المتون أيضا، فعلم الحديث عندما ظهر تفرع لفرعين أساسيين: علم الحديث رواية، وهو المختص بمسألة الأسانيد، والرواة. وعلم الحديث دراية، وهو المختص بنقد متون الأحاديث وعرضها على العقل، وعلى الأدلة الأخرى من قرآن وسنة نبوية، فلم يصل كتاب البخارى «الجامع الصحيح» لما وصل إليه من مكانة بين الأمة المحمدية، إلا بعد اختبارات عدة للكتاب ولمؤلفه الإمام البخارى رحمه الله.

ومع انتشار دعاوى تجديد الخطاب الديني نجد هجمة كبيرة على صحيح البخاري بالتحديد، بدعوى أن به أحاديث لا يقبلها العقل والمنطق، وبالطبع الهجوم منصب على البخاري وحده؛ لأن علماء الأمة احتفوا به وقدروه وجعلوه في مقدمة كتب الأحاديث، وأي انتقاص منه هو انتقاص ضمني لبقية كتب السنن، فإذا أثبتوا خطأ البخاري، فمسلم أيضا خاطئ؛ لأن هناك أحاديث بينهما متفق عليها، وإذا كان الصحيحان هكذا فبقية الكتب هي الأخرى، لا نأخذ بها، وهذه دعوة قديمة قال بها من سموا أنفسهم بالقرآنيين الذي يقولون بالأخذ بالقرآن فقط وترك السنة متذرعين بالآية الكريمة التى تقول: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا). ويقولون: حسبنا كتاب ربنا فهو كل الدين. وهى دعوة للتمسك بالقرآن الكريم؛ تقديسًا له، ولكنها دعوة مسمومة، فهل يكتمل ديننا بالقرآن وحده دون السنة التى أجمع كل العلماء على أنها المصدر الثانى للتشريع!

بالله عليك هات من القرآن الآية التى تقول إن الظهر أربع ركعات أو هات من القرآن ما يدل على نصاب الزكاة، لن تجد؛ لأن هذه الأحكام موجودة بالسنة المطهرة التي علينا أن نعض عليها بالنواجز، فالسنة النبوية تبين القرآن بتفصيل مجمله أو توضيح مشكله، أو تأتي السنة بأحكام مطابقة لما جاء بالقرآن الكريم، أو تأتي السنة مستقلة بالتشريع كما في زكاة الفطر، وحسبنا من كل ما قلنا الآية الكريمة التي تقول: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا).

وهذه الدعوة قديمة كما قلنا ومردود عليها من العلماء كثيرًا، ولكن دعاة التجديد اليوم وجدوا لأنفسهم ذريعة جديدة: ألا وهي الإرهاب وانتشاره وصورتنا أمام العالم الغربي التي يجب تغييرها، وأيضا الدعوة للتجديد هذه المرة مقترنة بتنقيح الأحاديث النبوية، وكأن القائل بتجديد الخطاب الدينى يلصق تهمة الإرهاب بالإسلام، ويقر ويعترف أن الإسلام هو منبع الإرهاب وهنا لدينا بعض تساؤلات.

هل كان لدى اليهود اللذين أسسوا منظمة «شتيرن» الإرهابية نصوص دينية تدعوهم للقتل؟

هل كان لدى الصليبيين نصوص دينية تدعوهم للقتل – قتل المسلمين والمسيحيين معًا – عندما جاءوا لاحتلال أرض الشرق ودخلوا القدس؟

هل كان لدى جماعات «كو كلوكس كلان» الإرهابية المناهضة للأفارقة فى أمريكا نصوص دينية تدعوهم للقتل ؟

هل كان لدى الغزاة الأوربيين نصوص دينية تدعوهم لقتل السكان الأصليين للأمريكتين؟

هل كان لدى الطالب الصربي قاتل الأرشيدق نصوص دينية تبيح له القتل، تلك الجريمة التي نتج عنها حرب عالمية؟

هل كان لدى البولنديين نصوص دينية تدعوهم لقتل الأقلية الألمانية في بلادهم؛ ليجتاح هتلر بلادهم، ومن ثم تندلع الحرب العالمية الثانية؟

وغيرها الكثير والكثير من التساؤلات التاريخية التي سنجد أن إجابتها فقط أن من يريد القتل سيقتل، سواء كان مسلما، مسيحيا، يهوديا، أو ملحدا.

بقى أن نقول إننا بالفعل نحتاج لتجديد الخطاب الديني لا لندفع الناس للصلاة والصوم وحسب، لكن لننقي تعاملاتهم ونعيد الأخلاق الكريمة وحسن التعامل وسعة الصدر، فالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، ولهذا نحتاج لتجديد الخطاب الديني؛ لنعيد لعقولنا قبل قلوبنا مكارم الأخلاق، لا لنرد القتلة عن قتلهم فهؤلاء فى غيهم لا دين لهم، ولا لنجمل صورتنا فى عيون الغرب، فتجميل صورتنا فى أعيينا هو الأولى بنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد